ابحار في ليلة المحجة البيضاء


الموجة الأولى : الكوكا كولا  والإرهاب

افتتاحية الإبحار

أيا لـيل المـحجـة إنـني والله مـحـتار

لأي سفينة في عرض هذا البحر أختار

وكيف وقد مضى الركب الذي قد كنت أتبعه

وخلّفني وحيدا والطريق تحفه النار

إذا حركت مجذافي تكسر في يدي إربا

وزادي لم يقم أودي  وموج البحر غدار

ولكني سأبحر رغم ضعفي فاشهدوا أني

بسيف الله منتصر وسيف الله بتار

حروفي عدتي وحبال أشرعتي بها أمضي

يضيء محجتي نور الهدى كي ينجح الإبحار

وما قصدي سوى أن أستعيد لأمتي  مجدا

بـناه على ذرى العلياء في التاريخ أخـيار

فـمـهما طال هـذا الليل فالإصباح مـنفلق

غدا من شمسه تنساب في البيداء أنهار

üüüü

{بسم الله مجراها ومرساها، إن ربي لغفور رحيم}

التجذيفة الأولى

والله ما أصيب عقل العرب بسذاجة مقيتة وبلادة مميتة كالتي أصيب بها في هذا العصر ، عصر الحاسوب ونظم المعلومات وازدهار الإعلاميات ، وهيمنة الكلمة والصورة في كل أنحاء المعمورة!

قال العرب للعرب : ” امنعوا البترول عن الغرب كي يكف عن دعم (بني إسرائيل) وتحريضهم لحربنا وإبادتنا! ” لكن العرب ..كل العرب سرعان ما امتنعوا عن منع الممنوع ، فتحول “المنع” إلى “منح”  و”الممنوع” إلى “ممنوح”!

وقال العرب بعد ذلك : ” لا ضير في أن ينوب حرف الحاء عن حرف العين ؛ فذلك أولى لنا من أن نصاب بالعين على ما آتانا الله من خير كثير وعقل مستنير! أما (الحاء) فقد تجلب لنا الحرية  والحنان من كل مكان.”…

ولما أدرك العرب الصباح ، وجدوا أجسادهم مثخنة بالجراح وقد تحولت أكواما من الأشباح متراكمة على أنقاض أشباح ؛ فقلَّبوا (حاءهم) على كل الوجوه ليجدوها قد تحولت إلى (حَينٍ) بلا مَين! وما الحَيْن إلا الهلاك حتى ولوألبسه العرب ثوب الملاك ، إلا أن يكون الملاك (عزرائيل) قابض الأرواح وهادم اللذات والأفراح!

هذا ما جناه العرب من حتوف بتلاعبهم بالحروف ؛ ويا ليتهم اعتبروا وسكتوا عن الكلام المباح لما أدركهم الصباح!

التجذيفة الثانية

قال العرب للعرب : ” إذا لم تستطيعوا منع البترول ، فامتنعوا عن شرب (الكوكا كولا Coca Cola)، بل قاطعوا كل البضائع التي ينتجها (دراكولا DRACULA).! ”

ولما عجز العرب ..كل العرب.. عن مقاطعة المشروب المرغوب ، لجأوا إلى التلبيس والتدليس لإرضاء عمهم (سام) وعدوهم إبليس . فقالوا : ” لمَ لا نأخذ بأوساط الأمور فيما يجري ويدور، فنقاطع (الكوكا) ونصالح (الكولا) ؟! ” لكنهم لم يدركوا أن من معاني (الكولا) اللصق والتثبيت ، وأن من أخطر معانيها الإيديولوجية والسياسية : إعلان حرب اقتصادية ضدّاً على الوحدة العربية من أجل تشجيع اقتصاد الشعب الصهيوني الإسرائيلي (PEPSI COLA : Pour Encourager le Peuple Sioniste/Israilite Contre la Ligue Arabe).  فقالوا : (عرب كولا  Cola Arab) و(مكة كولا   Macca Cola)    و(إمازيغن كولا  Imazighen Cola) ؛ أي أن  العرب ومكة  والأمازيغ كلهم أعداء للوحدة العربية!!!…فوقعوا في حيص بيص ولم يجدوا من مخلص من هذه الورطة، إلا إصرارهم على الغلطة!

üüüüü

التجذيفة الثالثة

وتتابعت الغلطات حتى بلغ السيل الزبى وعم الفساد العباد والبلاد ، في السهول والنجود والجبال والربى ؛ واشتعلت نيران الحروب في كل الدروب وكل القلوب ؛ فانتشر الدخان في كل مكان واختنق الإنسان والحيوان ؛ ونطق الجماد من غير لسان فقال :

“أنا حـجر ولكني ألين إذا همى المـطـر

ولا أقسوكما يقـسوعلى إخـوانـه الـبشـر

لذاك وقفت في وجه العدومجاهدا أدعـو

البراءة في الصغار لنصرتي كي يدفع الخـطر”

قال الأعراب للحجر :” أنت إذاً (إرهابي ) ، أيها الحجر!”

فرد الحجر ساخرا مستهزئا : ” أتدرون ما معنى (الإرهاب ) ، يا أعراب؟؟ .. إنه أكل الكباب ..والعزف على الرباب .. والسكر من غير شراب ..ولذلك فليس بينه وبين  (الترورسم le terrorisme) علاقة بتاتا ..وإنما توهم ذلك الارتباط بلا أسباب كل من آثر القشور على اللباب ، وأسدل على عقله ألف حجاب وحجاب! .. وإن كذبتموني فاسألوا أهل الحل والعقد من العلماء الأقطاب….”.

قال الأعراب : “لقد سألناهم ، فأفتوا لنا بما لا يطاق “.

قال الحجر متسائلا : “كيف ذاك ؟..”.

فرد أعرابي من كل الجهات : “حرموا على أطفالنا مشاهدة (البوكيمون).. لكن الأطفال اجتمعوا وتكلموا واستمعوا ، وتشاوروا ثم امتنعوا ..عن العمل بالفتوى ، لا عن مشاهدة المسلسل الكرتوني المحرم ..”.

قاطع الحجر الأعرابي مستغربا : “.. أليس أطفالكم مسلمين ، يطيعونكم في ما أمر به رب العالمين ؟..”.

فأجاب أعرابي آخر يسمع صوته ولا يرى ظله : ” ..بلى! ولكن الأطفال احتجوا علينا بأن علماءنا يحللون ما حرموه من قبل ، وقد يحرمون ما حللوه بعد حين ..فاضطربت عندهم الموازين قبل أن تضطرب عندنا . والأدهى من ذلك أن بعضهم يفتي للأغراب بما ليس في الكتاب من تحريم الحجاب!! ..فكيف يثق أطفالنا فينا ؟ وهم يطالبون بالأصيل الشرعي بديلا للبديل ؛ ولا يرضون بغير هذا الأصيل البديل دليلا على سلامة التأويل!!

فانتفض الحجر انتفاضة الأحرار وقال : ” أطفالكم أذكى منكم أيها الأعراب ، ومن حقهم أن يعترضوا ، فقد صاروا بفطرتهم أعلم منكم بالسنة والكتاب . وأنا أنضم إلى صفهم ؛ وأشيد برأيهم الحصيف وعقلهم النظيف . فقد جربت ما جربوا ، وأرهبت ما أرهبوا .. فعرفت أن الفتوى لم تعد تتبدل حسب الزمان والمكان وظروف الإنسان فحسب ، بل هي قد تتبدل اليوم في زمن الهوان حسب الأسماء والصفات ..فـ”كوكا كولا” حرام شربها على العرب والمسلمين ، إلا أن يحرَّف اسمها بعض التحريف ، وتسبغ عليها صفات القداسة والتشريف. فإذا صار اسمها : (مكة كولا Macca Cola) جاز شربها، بل صار شربها واجبا شرعا ..

ولكَم فرحتم أيها الأعراب السذج عندما أغرق صهاينة بني إسرائيل أسواقهم بهذا المشروب المقدس ..إذ توهمتم أنكم نجحتم في صنع البديل المضاد  الذي يعفيكم من مقاطعة لم تقدروا عليها ؛ فكنتم كالنعامة ، وقد ذبحتم أنفسكم بأيديكم من حيث لا تدرون ، وأقمتم الحجة على أنكم فعلا خدم لأعدائكم  بالمجان . وحـسبي أن أخبركم بأني قد شهدت اليهود الصهاينة يمرحون ويضحكون ، وهم يهرقون على أرض فلسطين الطاهرة آلاف القنينات من (عرب كولا) و(مكة كولا) بعدما يبصقون عليها ، ولسان حالهم يقول :

بعر البـعير على الجزيـرة بعـرة

قال الـبعـير بأنـها  أصـل العرب

فتناسـلوا فـي خـيـر أرض حـرة

وتناثروا مـن فوقـها مثل الحطب

نحن اليهود بهـم سنمضي دائـما

حـتى يصيب بـعيرهم ذاك الجرب

فاشرب  دم الأعراب في قنــيـنـة

صنعت بمكة واستزد منها النخب

واثـفل شرابك بـعد حـين إنـه

داء البلادة لا يصيب سوى العرب

üüüüü

التجذيفةالرابعة  : وصلة إشهار

كـولا عـرب ، كـولا عـرب

تـسـبي كـما يـسبي الذهب

مـثــل الـحـمـيـا ســمـهـا

يـقـضي عـلى كل الـتعب

نــصـف بـهـا مـسـتـغـرب

والنصف من صنع العرب

فــاشـرب ولا يـأخـذك فـي

أمـر الـتشـابه من عـجـب

أمـر الـحقيـقة  في الحـقـيـ

ـقة  خـاب سعـيه وانقلب

فـلـتـشـرب الـكـولا فـقـد

صـارت كـزمزم في النسب

صــارت بـــمـــكـــة درَّةً

كالشمس تشرق  عن كثب

ولــدت هـنـا فـي أرضـنـا

مـن صلب عـقل مسـتلب

هـي كـعـبـة المـسـتسلمـيـ

ـن ، وحولها طاف العرب

يا للـســذاجــةَ أغــرقــتـ

ـنـا في العمى حتى الركب

بـبسي عـرب، كـولا عرب!

ما هـكذا يـؤتى  الغَلـَب!

üüüüüüü

تعقيب البحار على ما لاقاه من أهوال  في ركوب الموجة الأولى

>  إن الدعوة إلى  مقاطعة بضائع الأعداء  على إطلاقها تستند إلى وهم كبير ، إذ أن تحايل الأعداء وعملائهم لترويج بضائعهم الممنوعة ، من جهة، وحاجة المقاطعين إلى هذه البضائع قد تكون ملحة بحيث لا يمكن الاستغناء عنها لضرورة شرعية ، من جهة ثانية، يجعل هذه المقاطعة متعذرة في كثير من الأحيان . وخير من ذلك أن يسعى المسلمون إلى تحقيق اكتفائهم الذاتي في كل ما يحتاجون إليه .

>  إن مقاطعة رمز واحد له شهرة عالمية ووزن هام في اقتصاد العدو، وتأثير سياسي كبير على علاقات العدوعبر أنحاء العالم ، مثل مشروب  (كوكا  كولا) و(بيبسي  كولا)، قد يكون كافيا لممارسة الضغط المعنوي المفضي إلى خسارة مادية معتبرة مهما كانت صغيرة ، بشرط  أن تكون هذه المقاطعة  ناتجة عن وعي الأفراد  بأهمية القضية ، لا عن قرار الحكومات .

>  إن هوس التفكير في خلق البدائل  قد  أثبت عدم جدواه ، بل إنه أفضى في كثير من الأمور إلى فشل ذريع لم يستفد منه ” البدائليون ” شيئا لأنفسهم ولا لأمتهم . والأجدر من ذلك  هوأن نسعى حثيثا بجد واجتهاد ومثابرة إلى استثمار الأصيل     وتطويره بكل الوسائل المشروعة المتاحة المباحة  أينما وجدت .

>  إن تصدي بعض العلماء للإفتاء في كل صغيرة وكبيرة  قد أدى إلى كثير من الخلط والبلبلة . فـيجب على علـماء المسلمين أن لا يفتوا إلا لضـرورة قصوى؛ كـما

يجب على الآباء والأمهات أن يتحملوا مسؤوليتهم الدينية في تربية أولادهم وتوجيههم إلى ما ينفعهم في دنياهم وآخرتهم . ففتوى تحريم مشاهدة (البوكيمون )   -مثلا- لم يكن لها مسوغ قوي ، إذ كان من أكبر سلبياتها أنها حفزت أعدادا كثيرة أخرى من الصغار والكبار  إلى المشاهدة بدافع الفضول وحب الاستطلاع ؛ فتحولت الفتوى بواقع الحال إلى دعاية للمسلسل . فكل ممنوع مرغوب . وعزائم معظم المسلمين في هذا العصر ضعيفة جدا . فلا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم .

> لقد كان الأجدر بالعلماء أن يفتوا بتحريم  استعمال المصطلح العربي القرآني (إرهاب) بصفته ترجمة للمصطلح الغربي  (ترورسم  terrorisme)؛ وأن يكفوا هم أنفسهم عن استعماله بهذه الصفة في حواراتهم وأحاديثهم وكتاباتهم غير مبالين بالعواقب الوخيمة الناجمة عن انتشار هذا المفهوم الخاطئ  بين الناس ، فيأثمون بتحريف معاني القرآن الحكيم ، وتضليل الناس عن خطاب رب العالمين .

وإلى لقاء مع الموجة الثانية من هذا الإبحار

الشاعر جلول الدكداك

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *