أثر التربية الاسلامية في تكوين الشخصية الرسالية


عن أبي موسى عبد الله بن قيس الأشعري ] قال : سئل رسول الله  عن الرّجُل يُقَاتِل شجاعَةً، ويُقاتِلُ حِميَةً، ويُقَاتِلُ رياءً، أيُّ ذلك في سبيل الله؟ فقال رسول الله  : >مَنْ قَاتَلَ لتَكُونَ كَلِمَةُ اللَّهِ هِي العُلْيَا فَهُو فِي سَبِيلِ اللَّهِ<(متفق عليه).

هذا الموضوع يشكل عنصراً واحداً من الاطار العام الذي يحدد المكونات الرئيسية لنموذج الأمة الاسلامية والذي قال عنه تعالى في خواتم سورة الأنفال : {إن الذِين آمنوا وهاجروا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله، والذين آوَوْا ونصروا أولائك بعضهم أولياء بعض}(الآية 72).

فمكونات الأمة تقتضي وجود أفراد مؤمنين تجمعوا في المهجر تربطهم روابط الإيواء والنصرة والولاية والجهاد لحمل الرسالة إلى العالمين.

مفهوم التربية الاسلامية

هي كل عمل تربوي يستمد أهدافه ومناهجه وأساليبه ووسائله وعناصر تقويمه وتسديده من كتاب الله وسنة رسول الله  ومن الفكر التربوي الذي أنتجه العلماء المسلمون عبر التاريخ أو ما أنتجه الآخرون مما لا يصادم عقيدة الاسلام وأخلاقه وشريعته باعتبار أن الحكمة ضالة المؤمن أنّى وجدها فهو أحق بها.

ويلاحظ أن الجهاد والرسالة هما العنصر الثالث من العناصر المكونة للأمة في الآية 72 بعد الإيمان والهجرة، والسؤال : لماذا وقع الجمع بينهما في عنصر واحد؟

والجواب هو : اقترانهما في القرآن والسنة كاقتران الوسيلة بالهدف.

فالرسالة بدون جهاد مفضية إلى مقت الله وغضبه.

والجهاد بدون رسالة نصرة وخدمة للشهوات يوجب عقوبة الله، لذلك قال  : >من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله<.

والجهاد لغة معناه بذل أقصى الجهد، وأما اصطلاحاً فيعني : استفراغ الطاقة والاستطاعة لتحقيق الأهداف التي توجِّه إليها الرسالة الاسلامية، في ميادين الحياةالفكرية والاجتماعية والاقتصادية والعلمية والعسكرية وغيرها في أوقات السلم والحرب،.

وللمظاهر الجهادية واجهات متعددة منها: الجهاد التربوي، الجهاد الاعلامي، الجهاد التنظيمي… ثم الجهاد العسكري القتالي.

وكلمة : (في سبيل الله) هي المقصود بالرسالة الاسلامية في القرآن والحديث، وهي العطاء الحضاري الذي يقدمه المسلم للانسانية ليسهم في بقاء النوع البشري ورُقيه، ومن هذه الرسالة تكتسب الحضارة الاسلامية أهم صفاتها المميزة لها عن باقي الحضارات.

مفهوم الرسالة

يتكرر ذكر الرسالة والرسول في مئات المواضع من سور القرآن الكريم {يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالاته والله يعصمك من الناس}(المائدة : 69) وتُقَسّم محتويات الرسالة إلى ثلاثة أقسام رئيسية هي :

1- الإيمان بالله : ومحوره إقامة الحياة الانسانية على أساس الإيقان بقدرة الله وهيمنته وتصرفه بالوجود وملكه له، وثمرة هذا الإيمان حفظ الانسان في حالة “الوسطية” في الفكر والسلوك.

2- الأمر بالمعروف : ومحوره الدعوة إلى التوافق مع سنن الله وأقداره -أي قوانينه- في الوجود القائم؛ لأن في هذا التوافق بقاءَ الانسان ورقيَّه.

3- النهي عن المنكر : ومحوره تزكية الثقافة الانسانية من عوامل الاصطدام بسنن الله وأقداره في الوجود القائم؛ لأن في هذا الاصطدام تدميرا لبقاء الانسان وسقوطه في الدنيا والآخرة.

وهذه العناصر الثلاثة المكونة للرسالة متضمنة في قوله تعالى : {كُنتم خير أُمّة أخرجت للناس تامرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتومنون بالله}(آل عمران : 110) ولقد شرح الصحابي الجليل أبو هريرة هذه الآية فقال : كنتم خير الناس للناس تأتون بهم في الأقياد والسلاسل حتى تدخلوهم الجنة، يبذل المسلمون أموالهم وأنفسهم في الجهاد لنفع الناس، فهم خير الأمم للخلق، والخلق عيال الله، فأحبهم إلى الله أنفعهم لعياله.

كيف تعمل التربية الاسلامية على اخراج المسلم الرسالي

تتحمل التربية الاسلامية مسؤولية كبيرة إزاء بلورة هدف الرسالة، ووسائل حملها وغرس الولاء لها، ويمكن القول إن هذه المسؤولية تتمثّل في أمور منها :

–  أولا : إن بلورة مضمون “رسالة العصر” التي يجب على الأمة حملها :

– لا يكفي لبلورتها تلك الصيحات الخطابية التي تتوالى في : الكتب والمجلات والصحف والندوات وفوق المنابر : “عودوا إلى الاسلام” فلا بد من :

– هيآت ومؤسسات تربوية وفكرية متخصصة وظيفتها بلورة علوم سياسية وإدارية ونفسية إسلامية يكون على رأسها كيفية إخراج الأمة الاسلامية وصيانتها من الضعف والتفكك وتطويرها حسب متطلبات العصر والأجيال.

– ثانيا : العناية التامة باللغة العربية لغة القرآن والسنة والوحي المنزل من السماء وإتقان اللغة وحده يمكن من قراءة الوحي، و يمكن من استخراج حاجات العصر بما يحقق الأصالة والمعاصرة والواقعية، مع تعلم اللغات الأجنبية لأنها من طبيعة حمل الرسالة إلى العالمين {وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم}(ابراهيم : 4).

– ثالثا : أن تعمق التربية الاسلامية في نفوس المتعلمين الشعور بالمسؤولية إزاء الرسالة وأهمية العمل الجماعي وعدم الاكتفاء بالتدين الفردي، وأن تنمي فيهم القدرات العقلية والمهارات العملية اللازمة لحمل هذه الرسالة وتحويلها إلى ممارسات وتطبيقات ناحجة.

– رابعا : أن تقوم التربية الاسلامية بتجديد المهارات الجهادية ونوع الجهاد اللازم والمهارات التي تقوم بتنميتها، وأن تهيِّء لتوزيع الأدوار بين أفراد أمة الرسالة على أساس الجدارة والاعتبارات التي تمليها متطلبات حمل الرسالة (إعداد المتخصصين) لوضع الرجل المناسب في المكان المناسب.

– خامسا : تحديد سعة دائرة المسؤولية التي يجب إعداد متعلمي الزمان والمكان للعمل داخلها؛ لأن الدائرة النهائية لهذه المسؤولية تشمل الانسانية كلها. يرى ا لرازي أن مامن شخص إلا ويكون من أمة محمد  :

– فإن كان مؤمناً فهو من أمة الاستجابة وأمة الاتِّباع : {يا أيها الذين آمنوا..}.

– وإن كان كافراً فهو من أمة الدعوة {يا أيها الناس..} وأن هذا معنى قوله  : >بعثت إلى الأحمر والأسود<.

ومثل ما قال الرازي يقول ابن تيمية رحمه الله : إن الله ختم الرسل بمحمد  وأخرج أمته لتأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر وتؤمن بالله وأقام علماءها مقام الأنبياء في تبليغ الرسالة.

والله هو الهادي إلى سواء السبيل.

ذ.محمد بنشنتوف

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *