ولع أمريكا بما ينقلب ضدها: من الجهاد إلى الديمقراطية


الإنسان ناقص حرية يساوي جلمودا أو بهيمة أو ما هو أدنى من ذلك، لأن الجمادات والبهائم إذا فقدت الحرية ـ بمعنى حرية التفكير والاختيار ـ فإنها تعيش بغرائزها الجبلية الكونية التي تضمن استمرار وجودها البيلوجي والفسيلوجي.. أما الإنسان فإنه يفقد حقيقة وجوده، ومتعة حياته حين يفقد الحرية، ولا قيمة حينئذ لوجوده البيلوجي والفسيلوجي.

فالحرية الإنسانية ـ من ثم ـ من الحقائق العلمية الوجودية التي لا يجوز أن ينشأ حولها جدل ولا خلاف عند عقلاء البشر وأسويائهم.

في ضوء هذا يتقرر ـ بيقين ـ: أن الحرية (مشترك إنساني وثيق وراسخ) بيننا وبين الأميركيين ـ مثلا ـ.

وإذ يقتضي هذا المشترك الإنساني العظيم النافع الجميل: أوسع مساحة من التعاون الجاد الخلاق في هذا المجال، يقتضي ـ في الوقت نفسه ولذات السبب ـ: النضال غير المحدود في سبيل صيانةقيمة الحرية ـ وأمثالها ـ من الابتذال والمتاجرة والمضاربة واللعب والاستغفال والاستغلال.

فهذا المركب السداسي من العاهات (السياسية) يفسد ـ بلا ريب ـ: أحلى وأغلى وأنفع ما عند الإنسانية من قيم ومبادئ.

وبالانتقال من (التجريد) إلى (النماذج التطبيقية): تستبين عواقب ومآلات اللعب بالقيم والمبادئ:

1- إن الأمن قيمة صحيحة توجب كفاح الإرهاب: كفاحا لا فتور فيه. ولكن اللعب بقضية مكافحة الإرهاب: يوهن الأمن ولا يقويه. فالانحراف الكبير بالحرب على الإرهاب: زاد هذا الوباء: سعة وحدة وضراما.. في مؤتمر مدريد الدولي لمكافحة الارهاب ـ الذي انعقد في الأسبوع الماضي ـ قال (جيرولد بوست) أستاذ علم النفس والعلاقات الدولية بجامعة جورج واشنطن: >إن الإدارة الامريكية تصرفت بالطريقة التي يريدها المتطرفون الإرهابيون. فأقوى الهجمات لمكافحة الإرهاب تهدف إلى طمأنة الناخبين المحليين بأنه يتم اتخاذتحرك ضد الارهاب، لكن يتبع ذلك في العادة، زيادة في الإرهاب. وإنه لمن المهم جدا، ألا تنحدر الدولة إلى مستوى الإرهابيين، وإلا فإنهم سيكونون هم الفائزون. وعندما تتخلى الدولة عن المبادئ الأخلاقية، تتضاعف احتمالات الإرهاب<.

2- والجهاد قيمة صحيحة من حيث أنه “حق دفاع عن النفس” مقرر ومكفول للأمم والدول كافة، لكن اللعب بهذه القيمة في أفغانستان ضد الاتحاد السوفياتي، حولها إلى هياج وعنف ضد اللاعبين أنفسهم. وهذه قصة باكية دامية لا تزال مفتوحة الفصول.

3- وفي السنوات الأخيرة: أشبعت الجمهورية الامريكية ـ على مستوى السياسة والدولة ـ بجرعات دينية عالية.. وهذا نوع من (اللعب بالدين) ـ إذا جردنا الأمر من نزعتي- الانقلاب على الدستور العلماني، والحرب الصليبية ـ.. وهذا اللعب بالدين على هذا المستوى، سيحفز الكثيرين على المحاكاة التقليدية، إعجابا بالمثل، أو من أجل إحداث توازن استراتيجي وفق مقولة معدَّلة >لا يفل الدين إلا الدين<.. ولتقريب الصورة وتكبيرها يضرب مثل بقيام (اسرائيل).. فمهما قيل عن ظهور (الاسلام السياسي) ـ مع التحفظ المنهجي على هذا المصطلح ـ فإن من أقوى أسباب وجود هذه الظاهرة هو: أن اسرائيل دولة دينية ينبغي أن تواجه بنماذج مساوية في القدر والنوع، مضادة في الاتجاه والقصد.. هكذا يقال.

نموذج اللعب بالحرية

وهذا هو جوهر المقال ومحوره ومناطه ومداره.

عندما كثف الرئيس الامريكي جورج بوش: كلامه عن (الحرية) وحولها في حفل (التنصيب) في يناير الماضي: حييناه وشكرناه يومها وقلنا: +إن قيمة الحرية من أعظم وأجمل القيم التي وهبها الخالق سبحانه للإنسان. ولذا فإنه من المطلوب من كل إنسان أن يمجد قيمة الحرية، وأن يعيشها، وألا يجحدها: لا في ذاته، ولا بالنسبة للآخرين، لأن جحودها: رد فظ لعطاء الخالق. وكفران أثيم بنعمته. ونحن نشكر الرئيس بوش على التذكيرالمكثف بقيمة الحرية وممارستها؛.

بيد ان المحبة الحقيقية للحرية: توجب حمايتها من الابتذال واللعب والاستغلال.. أولا: احتراما للحرية نفسها.. وثانيا: لئلا تنقلب الحرية على اللاعب بما لا يريد، وما لا يتوقع. فالزمان والمكان ليسا فارغين للاعب واحد، ولا لمستثمر فرد.. ثم ان البشر أوعى وأعز وأكرم من أن يلعب بهم لاعب: تحت هذا الشعار أو ذاك.. وخلاصة الحكمة في هذا المقام: ان ما لا تضمنه، ولا تستطيع التحكم فيه: لا تلعب به.

وهذه وقائع: تشحذ الانتباه، وتلهم السداد والحكمة:

أ ـ وأقرب هذه الوقائع إلى الوعي ـ زمنا وموضوعا ـ: ما جرى ويجري في لبنان.

لقد استفاض الحديث عن حرية لبنان واللبنانيين.. لا جرم أن اللبنانيين أهل للحرية، بل هم أساتذة فيها. لكن الأمر بدا وكأن الحرية لفريق دون فريق.. وبمقتضى هذه المفارقات الحادة: نزل الفريق الآخر إلى الشارع ـ في حشد هائل ـ للتعبير عن حريته أيضاً.. وقد هتف هذا الفريق (الحر) ضد الولايات المتحدة.. والمعنى: أن الحرية ينبغي ان تكون غير انتقائية. وأن نتائجها يمكن أن تكون (مع) أو تكون على (الضد).. وفي حالة الانتقائية، فإن شطرا من الحرية يمكن أن يكون ضدا.. والسؤال الموضوعي هو: من قال: ان الديمقراطية في لبنان ستكون لصالح الولايات المتحدة وحدها؟.. ليس هناك ما يضمن ذلك قط إلا: ضمان التزوير والتزييف.. أو ضمان الدكتاتورية المغلفة.. أو ضمان الفتنة الأهلية التي تلجئ الجميع إلى الخضوع للسيد المنقذ، سواء حمل المنقذ: هذه الجنسية أو تلك.

ب ـ في فنزويلا.. وعلى الرغم من أن الرئيس شافيز قد اختير بأسلوب ديمقراطي، إلا أن معارضة ضخمة فجرت ضده ـ بعد فشل الانقلاب العسكري عليه ـ.. ثم نودي باستفتاء ينتهي ببقائه أو ذهابه.. وكان المنادون بالاستفتاء ـ ومن وراءهم ـ يقدرون أنه ذاهب لا محالة، لكن الشعب الفنزويلي كان له رأي آخر وهو: تجديد الثقة برئيسه.. والحقيقة المستخلصة ـ ها هنا ـ هي: ان الديمقراطية أو الحرية يمكن ان تنقلب على المضاربين بها، المتمنين أن يكون الزمان والمكان والناس (فراغات) لهم وحدهم دون سواهم.

ج ـ في أوربا والولايات المتحدة ودول أخرى: ترفض غالبية المواطنين دور الإدارة الامريكية في نشر الديمقراطية في العالم.. لقد أجرت مؤسسة (ايبسوس) استطلاعا موسعا في تسع دول ـ أوربية وغير أوربية ـ.. هذه الدول هي: بريطانيا، وفرنسا، والمانيا، وايطاليا، واسبانيا، وكندا، والمكسيك، وكوريا الجنوبية، والولايات المتحدة ذاتها: وكان الاستطلاع حول أهلية أمريكا لنشر الديمقراطية في العالم.

فماذا كانت نتائج الاستطلاع.

في فرنسا رفض 84%: ان تكون الادارة الامريكية مؤهلة لنشر الحرية والديمقراطية في العالم.

وفي المانيا رفض 80% المهمة ذاتها.

وفي بريطانيا قال 70%: ان الولايات المتحدة غير قادرة على القيامبذلك لأسباب عديدة.

وفي الولايات المتحدة نفسها: أكد 53% رفضهم: محاولات الادارة ومشيها في هذا الاتجاه.

د ـ في العراق: شنت الولايات المتحدة حربا ضارية على هذا البلد. وحين اكتشفت الكذبة التي تأسست الحرب عليها: جيء بذريعة جديدة وهي: نشر الديمقراطية في العراق.. ثم جرت انتخابات وتمخضت عن رجحان فريق معين ذي صبغة دينية في عدد المقاعد.. وليس لنا أن نفتي في هذا الأمر. فالديمقراطية هي الديمقراطية سواء أتت بهذا الفريق أو ذاك. ولكن السؤال هو: هل خططت أمريكا لهذه النتيجة؟.. إذا كان الجواب بـ (نعم) فهذا أمر غريب عجيب!!.. وان كان الجواب بـ (لا) فإن المتخبط هو الذي لا يدرس النتائج قبل أن تقع: على الأقل لإدراك نسب معقولة من الصواب الميسور، ولا سيما في هذه الظروف التي تبدي فيها أمريكا العداوة لايران. ولسنا من الذين يقولون: ان شيعة العراق (عملاء) لإيران. فلشيعة العراق: اجتهاداتهم المذهبية والسياسية الخاصة ـ أمس واليوم ـ، بيد أنه لا يمكن أن يقوم في العراق ـ والحالة هذه ـ: نظام معاد لايران كما تهوى الإدارة الامريكية.

ما معنى هذا كله؟.. هل معناه: أن تنشط أمريكا في (كبت الحرية) في العالم خدمة لمصالحها؟.. لا.. فما يقول بذلك عاقل غير مجنون، صاح غير سكران، مؤمن بالحرية غير كافر بها. وإنما معنى الطرح والسياق: أن مصالح الولايات المتحدة لا تتحقق باللعب بالقيم، والمضاربة بالمبادئ، وإنما تتحقق بمقادير عقلانية ونفعية من الاستقرار المتين المبني على الحرية المسؤولة. والعدالة الناجزة. والتجديد المستمر.. ويستدعي ذلك: الكف المبصر المتعمد عن اللعب أو الولع بما ينقلب إلى الضد، وإلى عكس ما يتمناه اللاعبون.

> الشرق الأوسط ع 05/3/12

زين العابدين الركابي

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *