وجهة نظر في الإفتاء الشرعي وما إليه


هذه المحاضرة القيمة للأستاذ الكبير ابراهيم الإلغي الذي عرفناه في تطوان من ألمع أساتذة معهد مولاي المهدي ثم بالمعهد العالي الذي تحول إلى كلية أصول الدين، وعرفناه شاعراً وكاتبا وخطيبا ثم مستشاراً ورئيس غرفة بالمجلس الأعلى للقضاء… وقبل ذلك وبعد ذلك فهو نتاج زاوية إيلغ التي أنجبته وأنجبت أخاه الشيخ المختار السوسي والشيخ عبد الرحمان الدرقاوي السوسي قاضي أكادير الذي قضى شهيداً في زلزالها.. إنه رحمه الله يوصي علماء المغرب بالمحافظة على المذهب المالكي وعلى وحدة العقيدة ونحن نؤيد دعوته الاصلاحية المشروعة إلا أن علماءنا المشهود لهم من جيلنا دافعوا عن وحدة المذهب، إلا أن هناك عوامل غير علمية فرضت ما يخالف المذهب ومازالت المطالب العلمانية تلح على الالتزام بالحداثة في الإرث وغيره وإذا بقيت الأمور تسير على هذا المنوال فسنتبع سنن من قبلنا في الغرب شبراً بشبر وذراعاً بذراع حتى لو دخلوا جحر ضبّ لدخلناه ولا حول ولا قوة إلا بالله.

أقول وجهة نظر  لأن معظم ما تضمنه هذا البحث مستقى من مآتي ذاتية و من موارد تلقائية وسوانح وأفكار طالما ساورتني وشغلت بالي طوال الفترات المتوالية التي قضيتها في التعليم الجامعي وفي القضاء العالي والاستفسارات الفقهية ثم في ميدان الاستشارات القانونية هذه الخطة التي أنتسب إليها حالياً..إضافة إلى ما يعرض كل يوم من مشاكل طارئة ومسائل مطروحة على بساط البحث والتداول إما في مجالس علمية ولقاءات فكرية أو على أعمدة الصحف وصفحات الجرائد والمجلات وكذلك أمواج الإذاعات والشاشات..مما كان معه السيل عارماً والأمر متفاقماً يحار المرء فيه عن الاهتداء إلى جادة الصواب وسلوك سبيل الحق القويم والطريق المستقيم..

ذلك أن باب الإفتاء الشرعي بات مفتوحاً على مصراعيه في هذا العصر، مشرعاً في وجه كلمن هب ودب، يلجه كل من آنس في نفسه ولو مسكة ضئيلة من أحكام الدين،وكل من لديه نتف قليلة من مسائل العبادات وقضايا المعاملات..وليس الأمر مقتصراً على ان الناجي يأخذ بيد أخيه على سبيل التنبيه والإرشاد أو أن من عنده بعض العلم يتطوع ويعلم الجاهل مبادئ الدين التي لابد منها والتي يكثر الخطأ فيها والتساؤل عنها ويهديه سبيل الصواب فيما يأتيه ويذره من أمور دينه ودنياه مكتفياً في إرشاده بما يعلمه ومعتذراً عما لا يعلمه بقولة : (لا أدري) التي ـ قالواـ من أخطأته  أصيبت مقاتله.. بل إننا نجد أكثر هؤلاء الذين يتولون أمر تعليم العامة أحكام الدين قلما يرجعون إلى النصوص المعتمدة في الفقه المالكي المعمول به في المغرب من قبل الخاصة والعامة منذ أقدم العصور حرصاً على جمع الكلمة ووحدة الأمة وبعداً بها عن التفرق والشتات أسوة بما كان عليه السلف الصالح من التزام مذاهب أهل السنة الأربعة المعروفة والمتفق على الاقتصار عليها حسبما توزعت وسادت في أقطار العالم الإسلامي..وكان لأقطار المغرب ميزة خاصة في هذا السبيل إذ استطاع المذهب المالكي أن يجمع كلمة هذا القطر ولا يزاحمه فيه مذهب بخلاف أكثر الأقطار الشرقية التي تزاحمت فيها المذاهب وتعددت الولايات قاض للمالكية وقاض للحنفية وآخر للشافعية..وهكذا في كل مدينة عامرة، كما تتعدد الأئمة في بعض المساجد وكذلك المفتون..زد على ذلك مذاهب الشيعة الثمانية المنتشرة في أرجاء الشرق من زيدية وجعفرية إسماعيلية وعلوية وغيرها وما تفرع عنها في كل مكان من ولايات للإمامة والإفتاء والقضاء..إلى غير ذلك من أسباب التمزق عقيدة وشريعة و سلوكاً..مما نجا منه المغرب وسلمت عقيدته المتمسكة بالعقيدة الأشعرية وسلم سلوكه الملتزم طريقة السنة الجنيدية.كما سلمت شريعته المتبعة مذهب الإمام مالك إمام دار الهجرة وشيخ السنة في عصره وبعد عصره..فما بال بعض المغاربة اليوم يرومون خرق هذا البناء العتيد والصرح المشيد الذي حماهم من التوزع والتصدع قرونا وأجيالا..فما بال بعض العلماء يعملون من حيث لا يعلمون لتقويض هذا البنيان الشامخ وإحداث شرخ في العمود الفقري من جسم هذه الأمة المغربية التي بوأتهم مكانا وكونتهم علوما ومكنتهم مراتب ومناصب..هلا اشفقوا على حالها وحافظوا على تراثها وعلى جمع كلمتهتا ووحدة دينها والتئام صفوفها وتراصها وراء إمام واحد وأمام قاض واحد وخلف مفت واحد معه كتاب واحد مستمد من مذهب واحد وعقيدة واحدة وسلوك صوفي واحد…هلا سدوا هذا الثلم والثغرات التي نراها أخذت تنبث وتتسع بين صفوف جماهيرنا وجموع المصلين والصائمين والقانتين والذاكرين حتى إننا لا نكاد نجد مسجدا متفقا مع بقية المساجد في كيفية أداء جل الشعائر الدينية ولا زاوية تسير سير الأخريات..فالكل يوجه الواردين إليه وجهة تخالف وجهات الآخرينويدعو أتباعه إلى غير ما يدعو غيره.. فهذا يجيز فعلا يمنعه آخر وذاك ينهى عما يأمر به الآخر أو يحرم ما يحلله الآخرون..وصدق الله العظيم: {إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا لست منهم في شيء} وصدق الرسول الكريم : (لتوحدن بين صفوفكم أو ليفرقن الله بين قلوبكم)  وهناك ظاهرة متفشية وهي أنك ترى جموع المؤمنين يقفون أوزاعا على أبواب المساجد بعد انصرافهم من أداء الصلاة أو بعد سماعهم درس الفقيه الإمام يتجادلون ويتبادلون الرأي في صحة ما رأوه أو سمعوه من الإمام الراتب أو من الفقيه الجديد.. ثم يفترقون وهم حائرون ولا يدرون ما يتبعون فكأن المساجد والزوايا التي كان مفروضا في حقها أن تجمع الناس على كلمة سواء أصبحت هي مصدر التفرقة والتنازع المحرم في الدين: {ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم..}  زد على ذلك ماتبثه الإذاعات وتنشره الصحف من آراء في الدين متضاربة ومن فتاوى شرقية وغربية تزيد الطين بلة والشقوق شقة..وأما هذه الكاسيطات المسجلات لخطب الوعاظ المنتشرات في الأسواق وفي الطرقات فأمرها أدهى وأمر وأنكى وأضر..

لهذا نجتزئ القول هنا وأكتفي بالتذكير بما سبق : {وذكر إن نفعت الذكرى} مناديا فقط بضرورة القيام بعمل حاسم جماعي يضع الحد لهذه الفوضى المتفشية في أوساط الدعوة الإسلامية أو الإصلاح الديني كما يزعمون ويدعون وما هم بمصلحين ولكنهم يفسدون من حيث لا يشعرون, إذ أن أكثرهم يقوض البنيان القائم ويعجز عن إقامة بنيان آخر صالح مكانه فيترك الأرض بلقعا  والخراب سائدا، أعني خراب النفوس التي كانت آمنة مطمئنة فغدت حائرة طائشة لا تدري قبيلا من دبير ولا دَعياً جاهلا من عالم خبير… فينبغي قبل كل شيء تمييز الدرهم الزائف من الدرهم الصحيح الصافي ومعرفة العالم الكفء الذي يجوز له أن يتصدى للدعوة والإرشاد ويتصدر المجالس العلمية ويتربع على الكراسي العلمية ويقف على المنابر الوعظية..وبالتالي يتولى الإجابة عن الأسئلة المعروضة ويحرر الفتاوى الشرعية في شأنها وفق الشروط المنصوصة فقها والمتفق عليها من لدن فقهائنا الأجلاء الأقدمين.

شروط المفتي

قديما نص الفقهاء قاطبة على الحد الأدنى من الشروط التي يجب أن تتوفرفي الشخص الذي يجوز له أن يتصدى لإصدار الفتوى في المسائل الشرعية سواء كانت دينية أو دنيوية (وما أدق الفرق بينها لغير العارف) وبالأحرى الغيبيات الأخرويات التي لا تقبل الرأي والاجتهاد وإنما تقبل مزيدا من التذكير والإنذار والتبشير وإعادة بيان وتفسير…

فالمتفق عليه بين أئمتنا العظام ألا يفتي أحد إلا بعد أن يحيط علما بكتاب الله وسنة رسول الله  وبأقوال الأئمة والفقهاء المجتهدين في عموم المسائل وفي خصوص المسائل المسؤول عنها…إذ أن المفتي لم يسأل عن إبداء رأيه المجرد في المسألة المعروضة عليه وإنما سئل عن تحرير ما تقررفيها فقها من لدن الفقهاء المتقدمين.. وإذا لم يقف على ما تقرر فيها سلفا تحتم عليه أن يتوقف ويرفع أمرها إلى من هو أعلم منه عسى أن يكون عنده علم سابق بها..وإذا أعضلت المسألة وجب جمع العلماء عليها ليردوها إلى نص عام أو أصل عام كلما تعذر وجود نص خاص بها..فكذلك كانت سنة الأولين حتى من فقهاء الصحابة أنفسهم و ما بالك بالمتأخرين…بل ما بالك بهؤلاء المعاصرين الذين لا يتورعون عن الإفتاء بديهة دون ترو ولا مراجعة ودون استناد إلى نص فقهي معمول به مكتفين بتعقل مجرد وكلام فارغ.. لذلك اتفق الفقهاء على أن الفتوى بغير دليل شرعي ونص قاطع حرام كما اتفقوا على أن المفتي لا بد أن يكون متضلعا في العلوم الشرعية كلها أصولها وفروعها وعالما بطرق الاستدلال وكيفية استخراج المسائل من مظانها ومكامنها وأن يكون على علم كاف بعلوم اللغة وأحوال وقته وعادات مجتمعه.. وهناك من ينادي اليوم بوجوب معرفة المفتي في الشرعيات بما يدرس اليوم في كليات الحقوق من قوانين مدنية واقتصادية وسياسية وإدارية وتجارية وغيرها حتى يكون على معرفة تامة بما يروج ويسود في عصره..ويمكن له البت في النوازل التي تعرض عليه وتستدعي معرفة جوانبها وعوارضها المتصلة بأحوال الوقت وإلا كان في جانب والدنيا الدوارة المتطورة في جانب : كل يوم هو في شأن.. حيث إن المفتي لا يمكن له أن يبت في نازلة تجارية معقدة الجوانب كقضايا الشركات والاستثمارات وهو يجهل ما يجري في شأنها من عقود وقوانين وما يجب أن يطبق عليها لتكون في مستوى العصر وفي نفس الوقت لا تتعارض مع مقتضيات النصوص الشرعية.

وفي مثل هذه الأحوال المعقدة ينبغي للمفتي ألا يتعجل وأن يتأنى ويستشير ذوي الخبرة في الموضوع إن كان علمه قصيراً دونه.. فالقضاة أنفسهم يستشيرون ذوي الخبرة ويعتمدون تقاريرهم في الأحكام وكذلك الأطباء وسائر العلماء يستشير بعضهم بعضا.. ولماذا لا يستشير الفقهاء وأهل الإفتاء غيرهم : وفوق كل ذي علم عليم.. فدار الإفتاء لو كانت عندنا لا بد أن يكون بها قسم ينولى تبادل الاستشارات،منها وإليها… وما بالك بالأفراد المسموح لهم بتعاطي الإفتاء عند استكمال شروطها..

فالمفتي كالقاضي لا يبت في نازلة إلا بعد ترو وإعمال الفطر.. وبعد تقليب النظر ومراجعة كتبه وملفاته واعتماد رأي مستشاريه..وهذا سر اعتماد المستشارين في المحاكم اليوم كما كان الشأن سابقا في الأندلس.. فالاستشارات والاستفتاءات من باب واحد ترمي لغرض واحد وهو ظهور وجه الحق والرأي الشرعي في كل أمر عارض سواء داخل المحاكم أو خارجها…لذلك قالوا : الفتوى صنعة مثل القضاء، والصنعة لا تكتسب المهارة فيها إلا بالممارسة قال ابن عتاب :الفتوى صنعة، ويقول أيوب بن سليمان : الفتوى دربة يلزمها حضور مجالس الشورى بين أيدي الحكام.. قال : ابتليت بالفتوى وما دريت ما أقول في مجلس شاورني فيه سليمان بن أسود وأنا أحفظ المدونة والمستخرجة…

ما يفتى به

ولتسهيل مهمة الإفتاء على المفتين الذين يصعب عليهم التمييز بين أقوال الفقهاء المدونة في الكتب الفقهية ليعرفوا منها الأحق بالقبول والأولى بالأخذ والاعتماد من جانب المفتين..كان الذين جمعوها في نسق واحد و تأليف واحد يضعون بجانب كل قول علامة يعرف بها المفتي أو القاضي القول الجدير بالأخذ والتطبيق..فيقولون مثلا عند ذكر القول الذي ينبغي اعتماده : وبه الفتوى، أو عليه العمل أو مشهور أو راجح.. أو يقولون : الأصح أو الأظهر و المختار وما أشبه ذلك مما يتبين معه للمفتي والقاضي ويسهل له مهمته ويكفيه مؤونة البحث والاستدلال.

ومن أجل ذلك قرر الفقهاء منذ القدم ألا يفتى ولا يقضى إلا بقول مشهور في المذهب أو راجح فقط أو راجح ومشهور معاً أو قول معمول به فقها لا عرفا.. (إذ هناك فرق بين المعمول به فقها والمعمول به عرفا وقد لوحظ أن أمرهما  يشتبه على أكثر الباحثين ولا يفرقون بينهما في الدراسات الحديثة لأن ما به العمل فقهاً يندرج تحت الكليات الفقهية بخلاف المعمول به عرفا لا يندرج إلا في الجزئيات ولا يؤخذ به إلا محليا وظرفيا كما لا يخفى على من أمعن في  دراسة أصول المذهب).

وإجمالا فإن المفتي ليس حراً بالإفتاء بما يراه مقتصراً على ما سنح له من أفكار ذاتية وبديهيات حينية حتى ولو استند إلى أقوال مرجوحة وغير مشهورة ولا معمول بها في المذهب وفي معنى ذلك ما نص عليه غير واحد من العلماء من أنه لا يكفي الاستناد إلى آيات وأحاديث إلا مع ذكر كل ما يتعلق بها من اجتهادات وروايات… وإلا كانت الفتوى باطلة داخلة في عموم من أفتى بغير علم وفي عموم من ضل وأضل..

الشكاوى من الفتاوى

إذا كان المفروض عادة أن يلجأ الناس إلى الفتاوى التماسا للإصلاح فإنهم أصبحوا يجأرون بالشكوى منها لما اعتراها من الفوضى وسوء التصرف…

ورحم الله ابن دقيق العيد القائل : (ما فسد الدين إلا بعد أن انتشرت الفلسفة..) نعم فها نحن نرى مادة الفلسفة تقرر كمادة أساسية في الدراسالت الثانوية والجامعية وما هي إلا مادة عقلانية أو علمانية تعلم المتشبعين والمغرمين بها كيف يتحللون ويتحررون من الروحانيات والغيبيات فلا يؤمنون إلا بالماديات ولا يصدقون إلا ما أدركته عقولهم الكليلة أو ما أتاهم من قبل الايدولوجيات الإلحادية والوجودية الإباحية التي اكتسحت أقطار الأرض وزعزعت أركان الإيمان كما زحزحت رجال الدين عن مواقعهم الحصينة ومراكزهم الأمامية المدعمة بقوة الإيمان وبتعاليم القرآن..وأحلت محلهم أناساً متفيقهين يؤولون نصوص الدين حسب الأهواء ويفتون بما يناسب مقتضيات العصر كما يقولون لا بما يطابق مقتضيات الشريعة الغراء مدعمين أقوالهم بحيثيات عقلانية بحثة أو بعلل مستمدة من كليات عامةبعيدة كل البعد عن النصوص الفقهية المتعلقة بالمسالة المعروضة عليهم، قائلين إن صدر الشريعة واسع يقبل كل ما يوافق أي زمان ومكان، وهي كلمة حق أريد بها باطل.. أرادوا بها أن يبدلوا نصوص الشريعة ويضعوا مكانها نصوصا أخرى سموها التشريعات العصرية أو القوانين الوضعية..ولنا أن نأخذ الدليل على ذلك من القوانين ومن التشريعات الحالية التي يزعم واضعوها مستمدة من الشريعة الإسلامية..نعم..كما زعموا أن بعض القوانين الفرنسية مستمدة من الفقه الإسلامي وخاصة المالكي..كما يتضح من كتاب المقارنات  للدكتور السنهوري المليء بهذه المزاعم وأفظع من ذلك أن بعضهم زعم أن الفقه الإسلامي مأخوذ من فقه الأمم المعاصرة لأيام تدوينه ( الرومان وغيرهم ). ومن ثمة كان الفقه الإسلامي في نظرهم عملا وضعياً من عمل البشر لا من وحي إلهي منزل..فلا مانع إذن من تغييره واستبداله بشرع وضعي آخر..كبرت كلمة تخرج من أفواههم إن يقولون إلا كذباً.. وهذا كله من أثر تغلغل آفات الفلسفة في أحشاء الدين وتعاليمه المثلى…

ولا عجب إذن إن رأينا معظم المتصدرين اليوم للإفتاء الشرعي قلما يتقيدون بشروط الإفتاء الآنفة الذكر ولا إنهم يلتزمون أقوال الفقهاء الراجحة والمشهورة والمعمول بها المنصوصة بالتعيين في الكتب المبينة لما به الفتوى كما في مؤلفات ابن الحاجب والشيخ خليل وشروحها وحواشيها…معتذرين عن ذلك بأن الكتب الفقهية غير مرتبة ولا مفهرسة ولكن أمامهم ابن رشد وابن جزي فهي في غاية التبويب والترتيب مع عبارة واضحة واختصار شامل جامع  لفقه سائر المذاهب.. ومؤلفات أخرى لا تقل عنها ترتيبا وتبوبا.. ما أيسر الرجوع إليها واستمداد الأحكام منها لمن أراد تطبيق الشريعة حقا وجمع كلمة المسلمين على نص سواء وحكم جامع بدل أن يضرب في متاهات التعقلات ويهيم في أودية التمحلات والتأملات الخاوية التي تؤدي إلا للاختلافات وزرع بذور التفرقة بين صفوف المسلمين.. فلا يصلون بصلاة واحدة ولا يصومون بصوم واحد ولا يتفقون على مطعوم واحد أو يجمعون على رأي واحد في عوائدهم ومعاملاتهم وسائر أحوالهم ومجتمعاتهم…

فإذا كان العلماء الأقدمون كانوا يشتكون من كثرة الاجتهادات في الدين وتعدد المذاهب وتكاثرها حتى تجاوزت فيما ذكروا 156 مذهبا من أهل السنة فحسب فاضطروا لقفل باب الاجتهاد وحصر المذاهب في الأربعة المعروفة وقاوموا ما عداها سدا للذريعة وعملاً بأخف الضررين فكان من نتائج هذا الإجراء الحكيم استقرار التشريع الإسلامي المذهبي في أكثر أرجاء العالم الإسلامي ولم يشذ عن ذلك إلا البلدان التي يسود فيها التشيع وأبقت باب الاجتهاد مفتوحا إلى اليوم  مما نتج عنه عدم الاستقرار وتكاثر الفرق و المذاهب حتى أدى الأمر ببعضها إلى ظهورها في صورة أديان أخرى  كالأحمدية  والبهائية..الأمر الذي نجى الله منه بقية العالم الإسلامي بفضل تطويق الاختلافات وحصرها في وضع خاص..

وإذا كنا نحن اليوم نشكو من ظهور بوادر التفرقة بين صفوف المسلمين من جديد بسبب هذه الفوضى الضاربة الأطناب أو الحرية المشرعة الأبواب المتاحة هنا وهناك للدعاة من غير قيد وللمفتين من غير شرط ولا ضبط..فإنه ينبغي لنا بل يتحتم علينا أن نلتمس على عجل وجها من وجوه الإصلاح اللازب والعلاج اللازم يكفل لنا تفادي هذا الداء قبل استفحاله واستعصاء علاجه بالمرة بعد فوات الأوان…علما منا بأن هذه الطامة لم تأت من فتح باب الاجتهاد مرة أخرى وإنما أتت من ترك باب الفتوى مفتوحا على مصراعيه يلجه كل من هب دب مستغلا غفلة الخاصة والعامة ليبث على الأسماع وعلى القراء ما يشاء كيف شاء دون حسيب أو رقيب، وهذا الخطر لا يأتي كله بما ينشر في الداخل بل أن جله يفاجئنا بما ينشر في الخارج على أعمدة الصحف والمجلات وعلى أمواج الأثير وأشرطة الكاسيط وغيرها..

ذ.رضا الله ابراهيم الالغي رحمه الله

مستشار بالمجلس الأعلى للقضاء وعضو المجلس العلمي بأگادير

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *