نماذج من التحديات أمام المرأة المسلمة المعاصرة


تواجه المرأة المسلمة اليوم مجموعة من التحديات، إذا لم تكن واعية بمدى خطورتها، ولم تتسلح لمقاومتها، أوشك أن يجرفها التيار، فتقع ضحية وفريسة لتصور بعيد عن هويتنا، ولا يتلاءم وخصوصيات أمتنا، ولا ينسجم مع قيمنا ومبادئنا وثقافتنا.

إنه تصور يعبر عن حامليه، وينطلق من مشاكلهم ومعاناتهم، البعيدة كل البعد عن الأخلاق والقيم، المنغمسة في الرذيلة، المقننة للفاحشة، المُعَرِّفة بالشذوذ، المتعايشة مع الزنى والفجور.

إنه تصور يرفع شعار الدفاع عن حقوق المرأة حتى تتحقق المساواة، وتُخصص له المؤتمرات تلو المؤتمرات، وتُكرس له الجهود وتُستدعى له المنظمات، الحكومية وغير الحكومية، لتسطر قوانين وبنودا على شكل حقوق وامتيازات، ظاهرها المساواة ـ التنمية ـ السلم، وباطنها مؤتمرات تعمل على تحقيق الهيمنة الثقافية، والإجهاز على ما تبقى من الفضيلةونظام الأسرة وإنسانية المرأة والرجل معا.

إنه تصور يجعل من موضوع المرأة ورقة ضغط ترفع أمام الشعوب لتذعن وتنصهر في بوثقة الغرب، وفي منظومة الإنسان الغالب المتفوق ماديا، حتى يضمن بذلك تبعية المغلوب بإدخاله في العولمة الثقافية جنبا إلى جنب مع العولمة الاقتصادية والسياسية، وإلا فلماذا هذا الإلحاح على التعميم؟ إنه تصور يريد عولمة موضوع المرأة وإدراجه بشكل واسع يتلاءم وينصهر في منظومة كونية -على حد زعمهم ـ ويتحرر من طابع وقيود الخصوصية القائمة على تصور الدين. أو على تصور الأعراف والتقاليد الخاصة بكل أمة وبكل شعب، هناك من النساء من بني جلدتنا من تتجه هذه الوجهة في كتاباتها، ومن هؤلاء “الباحثة خديجة أميني التي كتبت مقالة مطولة في سلسلة مقاربة، وهي متخصصة في الشأن النسوي وتصدر تحت إشراف كلية الآداب بالقنيطرة، وبدعم ومآزرة من مؤسسة كونراد ادناور، ذكرت في هذا البحث أنهناك هوة بين ما تتمسك به الأصولية الإسلامية من مطالبة لتحقيق العدالة بمفهومها النسبي، وبين ما يتجه إليه العالم من إقرار المساواة بين الرجل والمرأة، هذه المساواة التي تبناها مؤتمر مكسيكو 1975، واتخذت شعارا لمؤتمر بكين 1995، وقد رأت الباحثة أن رفض المساواة هو الذي جعل الجماعات والدول الأصولية الإسلامية والكاثوليكية تتحالف في حلف دعي مقدسا وقد بلغ عدد المشاركين فيه أربعين دولة من أجل الاعتراض على مقاطع من وثيقة بكين تتعلق بالصحة الإنجابية، وحق المرأة في ممارسة الجنس وبالإجهاض، وقد رأت الباحثة أن الانغلاق الأصولي يعوق الاندماج في القيم الكونية”(1). والسؤال المطروح على هذه الباحثة وبإلحاح هو : أية قيم كونية تريدنا أن نندمج فيها؟ أتلك التي تولت منظمة الأمم المتحدة أمر الوصاية عليها تحت شعار: المساواة، التنمية والسلم، لتعمل على طمس الفروق بين الجنسين وتشويه صورة المرأة بتغيير جميع أدوارها الطبيعية كالإنجاب والتربية، وإعطاء مفهوم جديد للأسرة والحث على التنمية القائمة على أساس هذا التغيير ليسفر كل من المساواة والتنمية عن السلم، الذي يعني حسب وثيقة بكين نزعَ سلاح الشرق الأوسط، وتوجيه نفقاته إلى مشروعات المرأة التي توجهها هيئات دولية وفق قانون: “الإقراض الدولي للأفراد”(2)

أية قيم كونية تريدنا أن ننصهر فيها؟ وهي قيم احتكرتها الأمم المتحدة وسهرت على عولمتها، لتخدم مصالح العالم الغربي، وتحقق له الهيمنة، وليتها كانت منظمة أممية، ونحن اليوم نلحظ بأنها مجرد اسم لا على مسمى، إنها راعية وحامية نظام دولي جديد يريد أن يحتكر كل شيء حتى ثقافات الشعوب وخصوصياتها، لينفرد هو بالقرار وبالتخطيط وبالسهر على التنفيذ، فهل بعد هذا يمكن تسميتها بالقيم الكونية، أم هي مكابرة، وما هذه القيم إلا انفرادية في حقيقتها، وتريد أن تنتزع صفة الكونية قسرا رغم طابعها الغارق في خصوصيات الثقافة الغربية. إنها قيم ناتجة عن تصورات أصحابها للكون وللحياة وللمرأة، وهي بهذا خاصة بأصحابها، ولا تعنينا: كمجتمعات إسلامية، كان المفروض أن تكون هي الرائدة، لأنها تحمل تشريعا ربانيا صالحا لأن يعمم ويعولم، لأنه دين رب العالمين، للناس أجمعين. لو وجد له إنسانا تتحقق فيه صفة الشهادة على سائر الأمم، ولكم يؤسفني حقا أن أجد من بين مثقفينا ومثقفاتنا من يحمل مثل هذه الأفكار، ويجهز بها على من يسميهم أصوليين، من غير أن يسمع منهم على الأقل، أو يحاورهم، لأن ثقافة الحوار تلقح الأفكار وتصحح التصورات وتعدل من الرؤى، وتساعد على بناء نسق فكري نابع من صميم معتقداتنا وقيمنا متحرر من التبعية والتقليد لمن لا يزال ماسكا بزمام اقتصادنا وسياستنا، ويريد أن يجهز على ما تبقى من خصوصيات أمتنا، فيدمر نظام الأسرة كما دمر عنده وفي عقر داره، فيمسخ بذلك هويتنا من غير أن يلحقنا بما تم عنده من امتلاك لأسباب التقدم الصناعي والتكنولوجي، بل ويريد أيضا تجريدنا عن حق الدفاع عن النفس بتجريدنا من الصلاح، فكم سنكون ساذجين إذا اعتقدنا حقا أن الجندرة دفاع عن حقوق المرأة، ما هي إلا أسلوب جديد من الاستغلال لهذه الورقة، سعيا وراء الضغط على الدول ثقافيا، بعد ما تم سحقها اقتصاديا وعزلها عن أسباب التقدم التقني والنهوض الحضاري في شقه المادي، إن هذا النظام العالمي الجديد يريد استغلال بل مزيد استغلال ثروات هذه الأمم، وتحويلها إلى أسواق من السلع، وإغراقها بالقروض، وتقويض هياكلها الوطنية، وهذا التدمير يؤدي به لا محالة إلى تخلف المرأة والرجل وفقرهما على حد سواء حيث يحولهما إلى عبيد لسياسة وثقافة غريبتين عنهما…

ثم إن الوقوف عند قضية المرأة في معزل عن قضايا شعبها له أهدافه الحقيقية وهي حسب ما ذهب إليه ناجي علوش :

1- تفكيك قضايا الشعوب وبحثها بطريقة جزئية، وبالتالي التوهيم بحلول جزئية: وهو أسلوب استعماري قديم، فهناك طوائف ومذاهب وقبائل، وليس هناك أوطان ولا مبادئ ولا أديان.

2- إقناع النساء بقضية نسوية يبحث لها عن حل وصرفهن عن القضايا المصيرية لشعوبهن.

3- جعل جميع النساء يدرن في فلك منظومة فكرية واحدة للدفاع عن ما يسمى بالشرعية الدولية.

4- إقناع النساء أن الوضع المتردي لهن هو ناتج عن حالة تهميش مؤقت، وليس نتاجا عن المنظومة الفكرية للنظام العالمي السائد، وبالتالي فإن حل المشكلة يمكن أن يتم في إطاره ودون المساس بأسسه المحلية والعالمية.

وبهذا يكون المؤتمر بيتا من بيوت الطاعة الدولي لتطبيق الشرعية الدولية، وتنفيذا لتخطيطات من خلال هيئة الأمم المتحدة، إنه وجه جديد للاستعمار القديم تسعى من ورائه الأمم المتحدة إلى إلحاق العالم كله بالطراز الغربي، ثم لتفرض عليه سياساته الاجتماعية والفكرية، بما يكفل التحكم في ثروته البشرية والاقتصادية وجعلها خاضعة للغرب، إنه الحنين إلى الديكتاتورية البغيضة في محاولة لإحيائها وفرضها على المجتمع الإنساني(3).

إننا كمسلمات نعلنها كلمة صارخة مدوية علها تصل إلى المشاركين في وضع تلك البنود والمقررات والموافقين عليها، نرفض الوصاية من أية منظمة نسائية علمانية تتنكر للخصوصية الدينية وتريد الانصهار في العولمة والكونية المحتكرة من طرف الأمم المتحدة التي دأبت على الكيل بمكيالين والتغني بنغمين، يوحيان برعاية نظام عالمي جديد، يفرض تصوراته على الشعوب التي عمل على سحقها، ولا يزال، وكرّس دونيتها باستمرار، وهو الآن  يعمل على محاولة تغيير أنماط عيشها لتسير وفق منظومته الثقافية، حتى لا تنفرد بالقرار في شيء، وحتى تتحقق تبعيتها المطلقة، فنحن المسلمات قد عرفنا حقوقنا من رب العالمين وتمتعنا بها انطلاقا من تصور الدين، وشاركنا في بناء أمتنا ولازلنا نشارك بتشجيع من الرسول الكريم عليه أفضل الصلاة وأزكى التسليم، وعرفنا مستوى التحدي فراهنا عليه لنظهر للعالم أننا لازلنا ههنا واعيات بما يجري وما يحاك ضد القيم من مؤامرات، متصديات لها، ولا يحيق المكر السيء إلا بأهله، وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون. والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.

ــــــــــــــــــــــــ

1- نظر “كرامة المرأة من خلال خصوصياتها التشريعية” لفضيلة الأستاذ مصطفى بنحمزة – إصدارات جامعة الصحوة الإسلامية- الدورة الخامسة الرباط، -8 – 9 رجب 1419هـ – 29-30 أكتوبر 1998م نقلا عن حقوق المرأة وإشكالية الخصوصية الكونية في الخطاب الأصولي المعاصر لخديجة أميني – عدد النساء والإسلام. مقاربات – ط النجاح 1998م.

2- انظر نص الوثيقة الختامية لمؤتمر بكين – منشور في ” قضايا دولية” العالم – عدد 1611-1995م.

3- ناجي علوش – الأفكار الأساسية والأهداف الحقيقية – رؤية سياسية – قضايا دولية – العدد السابق، ص : 21 من كتاب أصدرته جامعة الصحوة الإسلامية -الدورة الخامسة -قراءة في وثيقة بكين – للأستاذة نزيهة أمعاريج.

دة.صباح بوعياد

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *