مدونة الأسرة بعد عام على تطبيق


الأستاذ حسن الزباخ العدل بهيئة استئنافية الدار البيضاء والعضو المقرر بها يتحدث للمحجة عن :

مدونة الأسرة بعد عام على تطبيقها : الحصيلة والآفاق

مع صدور هذا العدد من المحجة تكون قد مضت سنة كاملة على تطبيق مدونة الأسرة التي عرفت جدالات واسعة، لم يسبق لتشريع أن عرف مثل الحركية التي واكبتها، لأسباب سياسية وأخرى اجتماعية وثقافية ودينية، إنه إصلاح يندرج ضمن التوجهات الكبرى للدولة، ونحاول في هذا الحوار تسليط الضوء على بعض ما أنجز وما لم ينجز من مدونة قال محمد بوزوبع -وزير العدل-  يوم  7 فبراير 2004 بأنه وفر كل الشروط من أجل إنجاح تطبيقها.

من خلال الحوار التالي

< ما هي الأبعاد الثقافية والاجتماعية والحقوقية التي حملتها المدونة بين نصوصها؟

>>  لا شك أن المشرع حينما يريد صياغة قانون ما يتعلق بالأمة أو بالمجتمع إلا ويحمل في طياته أبعادا قد تكون ثقافية أو سياسية أو اجتماعية أو حقوقية- من حيث يدري أو لا يدري- ومدونة الأسرة لم تخرج عن هذا الإطار.

أولا، لا بد من إثارة الانتباه أن مرور مدة سنة على تطبيق هذه المدونة وتنزيلها، مدة غير كافية للحكم على الأبعاد التي حملتها لكن هذا لا يعفي من الإشارة إلى بعض الأبعاد:

– بعض نصوص المدونة أثارت ضجة كبيرة وزوبعة واسعة في جميع البيوت لم تهدأ إلى الآن وما زالت تتفاعل وتكبر أكثر من المتوقع وخاصة فيما يتعلق بتقسيم الممتلكات ومسألة التعدد في الزواج ومسألة الطلاق بكل أنواعه….. وهذه القضايا جعلت المجتمع المغربي بكل فئاته يطرح تساؤلات كثيرة ويضع علامات استفهام عريضة على مدى استفادته من نصوص المدونة التي أثارت قضايا لم يتعود عليها باعتبار أن المجتمع المغربي في معظمه محافظ.

< يقال إن هذه المدونة نقلت العلاقة الزوجية من علاقة تراتبية إلى  علاقة تشاركية في تدبير الشأن الأسري؟ كيف يمكن تقييم ذلك على المستويين النظري والتطبيقي؟

>>  من المعلوم أن الإسلام حدد العلاقة الزوجية في إدارة البيت على مبدأ تقسيم المسؤولية والاختصاص الموكل لكل واحد من الزوجين، ولكن حينما لم يراع هذا المبدأ ولم يحترم من طرف الأسرة وذلك لوجود عوامل كثيرة منها خروج المرأة للعمل وتأثر المجتمع بالثقافة الوافدة،  الأمر الذي فرض معطيات كثيرة أدت إلى الإقرار بهذه الحقيقة وكان لزاما على المشرع أن يأخذها بعين الاعتبار ويضمنها في قانون مدونة الأسرة، مثل  المادتين :(236) و(240) وغيرهما ، لكن تفعيل هذه المواد مازال بعيد المنال لوجود الأمية والجهل في صفوف المرأة وكذلك انعدام رؤية تربوية تعليمية للنهوض بالمجتمع وخاصة بالمرأة .

< وضع حد للعلاقة بين الزوجين أصبح قضائيا (الطلاق)، وبخصوص التطليق فإن مدونة الأسرة سعت ـ حسب البعض ـ إلى إيجاد نوع من التوازن بين حق مطلق للزوج في الطلاق وحق الزوجة في التطليق. كيف تنظرون إلى ذلك؟.

>>  لا نرى إشكالا في جعل الطلاق بيد القضاء، بالطبع في حالة وجود قضاء نزيه ومستعفف، ووجود قضاة متكونين شرعا وقانونا وأقول واقعا، ولا نرى كذلك إشكالا في وضع الطلاق الرجعي بيد القضاء ، إلا أن المشكل يكمن في أن تصبح مسطرة الشقاق الملجأ والملاذ الأخير للنساء اللواتي لا يستطيع ،لا الزوج ولا الهيأة القضائية إيقاف نزيفه، وتشير بعض الإحصائيات، باعتبار نتائجه مضمونة، أنه يتصدر قائمة أنواع الطلاق سواء الذي تم البث فيه أو المعروض على المحاكم.

< سجل مجموعة من المهتمين بالمدونة وقضايا الأسرة عدة انحرافات في تطبيق المدونة منها:

* سوء تأويل مجموعة من مقتضيات المدونة انطلاقا من الموقف الشخصي الرافض لها.

* الفراغات الموجودة في القانون

*  دور النيابة العامة الكبير باعتبارها الطرف الأصيل في كل قضايا الأسرة وعجزها (النيابة) عن توفير كثير من الضماناتللمتخاصمين مثل حماية المطرود من الزوجين من البيت. كيف تعلقون على مثل هذه القضايا؟

>>  من المسلم به أن أي عمل بشري لابد وأن تعتريه نقائص وتناقضات أو فراغات وهذا ما نلاحظه في بعض نصوص المدونة، ففي الوقت الذي شددت المدونة في باب التعدد وجعلت الحصول على إذن بالتعدد شبه مستحيل وخصصت له مواد… إلا أنها في المقابل فتحت أبواباً أخرى- من حيث لا تعلم- يمكن أن تستغل من طرف الراغبين فيه سيما في مجال الخطبة وخاصة المادة 6 ” يعتبر الطرفان في فترة  خطبة حين الإشهاد على عقد الزواج.. ” ، وكذا المادة 16 “..إذا حالت أسباب قاهرة دون توثيق العقد في وقته تعتمد المحكمة في سماع دعوى الزوجية سائر وسائل الإثبات …” ، وكذلك في باب البنوة والنسب مادة 156 ” إذا تمت الخطوبة وحصل الإيجاب والقبول وحالت ظروف قاهرة دون توثيق عقد الزواج وظهر حمل بالمخطوبة ينسب للخاطب…”.

فعندما ينشأ حمل أو ولادة ( من متزوج أو عازب ) بخطبة أو غيرها فالمحكمة مجبورة بحكم ثبوت الزوجية واثبات نسب الابن إلى أبويه بالنظر إلى نصوص المدونة المومأ إليها أعلاه  !!.

إذن نقول أن هناك فراغ، وتضارب بين بعض نصوص المدونة ، الأمر الذي ستكون له انعكاسات سلبية في المستقبل ويضطر معها المشرع مرة أخرى إلى تعديل بعض موادها.

< اشتكى بعض رجال القضاء من سوء الظروف التي يشتغلون فيها في ظل القانون الجديد، وخاصة أنه تم تدريب عدد صغير جدا من قضاة الأسرة مقارنة بحجم المشاكل التي تتخبط فيها الأسرة المغربية، كيف يؤثر ذلك سلبيا على تحقيق إنجازات مهمة على المستوى التطبيقي؟

>>  لاشك أن هناك ظروفاً صعبة واجهت بعض قضاة الأسرة في مزاولة القضايا الشائكة المعروضة عليهم والجديدة عليهم وغياب شروح مفصلة لمواد المدونة وكذا قلة الإمكانيات المتمثلة في البنايات والأقسام التي يشتغلون فيها والآليات التي تساعدهم في إنجاز ما هو معروض عليهم، فعلى سبيل المثال: محكمة الأسرة بالدار البيضاء، ببنايتها وموقعها وعدد موظفيها وقلة التجهيزات (الحاسوب، آلات النسخ، الهاتف، القاعات، الكراسي، الإرشادات…) لم ترق لأكبر ولاية بالمغرب، وحجم سكانها وكثرة قضاياها المستجدة الأمر الذي ينعكس سلبا على عطاءات القضاة واجتهاداتهم…

< من إيجابيات المدونة : مبدأ الحفاظ على كيان الأسرة ثم التبسيط والتيسير، ثم السرعة.

كيف تنظرون إلى هذه المبادئ على ضوء تجربتكم خلال هذه السنة؟

>> هذه المبادئ ما زالت بعيدة التحقيق، فعمليا يمكن الاستدلال على صحة ما نقول أنه من السابق لأوانه الحكم بأن المدونة استطاعت أن تحقق مبدأ الحفاظ على كيان الأسرة، أولا لقصر المدة وهي سنة على مرور تطبيقها. ثانيا أن هناك بعض المؤشرات التي بدأت تظهر وذلك من خلال وجود كم هائل من الاستفسارات حول مساطر التفريق والأموال المكتسبة  وحضانة الأطفال وأحقية السكنى بعد الطلاق… ناهيك عن الملفات المعروضة على محاكم الأسرة في القضايا المذكورة ، وبخصوص التبسيط والتسيير والسرعة، فإذا تحقق في بعض الأمور فانه يظل بعيدا في كثير من الجوانب الأخرى ونضرب مثلا لذلك ملف الزواج:

– فللحصول على إذن بتوثيق عقد الزواج من محكمة الأسرة ، فهناك مكتب واحد لاستقبال ملفات الزواج بمدينة الدار البيضاء .

– طلب وثائق أخرى إضافية غير مدرجة في المادة 65 :

أ- التزام مصادق عليه من طرف أحد الخاطبين أو هما معا إذا كانت حالتهما العائلية مطلق .

ب- سحب أذونات الزواج في اليوم الموالي لدفع الملف .

ج- إجبارية حضور أحد الطرفين والتوقيع لسحب ملف الزواج ، وقد ترفض بعض طلبات الإذن بالزواج بالنظر إلى مهنة الزوج إذا كان مدونا في بطاقته الوطنية تلميذ أو طالب أو بدون….. وهذا ينافي المبادئ المذكورة أعلاه.

< تلاحظ ازدواجية في المدونة (في الصياغة) تحت ضغط إكراهات الأخذ بمرجعيات متعددة أملتها الحداثة والتحديات الحضارية الغربية.ماهي الآثار السلبية لهذه الازدواجية؟

>> لا شك أن المدونة أخذت بعدة مرجعيات ( المذاهب بجميع اتجاهاتها وهناك بعض المواد ذات المرجعية القانونية أملتها بعض الاتفاقيات الدولية) ، وهذا بالطبع سيؤدي إلى خلق ثقافة أسرية جديدة غير مألوفة في أوساط الأسرة المغربية المحافظة وأيضا إلى اختلالات في التركيبة الأسرية التي لم تتعود على مثل هذه المرجعيات خاصة وأن المغاربة تعارفوا وتعودوا على تقاليد وعادات في المجال الأسري.

< تراجعت المدونة عن مجموعة من المصطلحات الفقهية وأضافت مصطلحات وضعية مدنية وقانونية.ومعلوم أن  المصطلحات الفقهية والبناء الشرعي لفظا وفحوى  لعقد الزواج استنبطت من كتاب الله العزيز، بل إن عقد الزواج هو أهم عقد نظمه القرآن الكريم، مما يبين موقعه المهم في المنظومة التشريعية الإسلامية، كيف تعلقون على ذلك؟

>> في اعتقادي أن تبديل أو تغيير أو حذف بعض المصطلحات ليس هو المهم بقدر ما يكون الأهم أن تواكب هذه المصطلحات روح العصر وتفي بمقصدها ولا تخرج في بعدها عن المدلول والسياق الذي وضعت فيه ولأجله وأن لا تستغل لأغراض أخرى.

وللحفاظ على ثوابت الأسرة المغربية يجب أن نحافظ على روح المصطلحات ونأتي بأخرى تخدم الموضع الذي وضعت لأجله.

< نعود لقضاء الأسرة فنقول : إن بعض العارفين بالقانون يذهبون إلى أن القاضي بقضاء الأسرة ما زال يتوفر على هامش واسع يسمح له باستعمال سلطته التقديرية بالرغم من توفر بنود مدونة الأسرة على مبدأ النص الصريح، إلى أي حد يمكن أن يؤثر هذا على نزاهة هذا القضاء؟

وما هي الضمانات على أن هذه السلطة التقديرية لقاضي الأسرة تحقق العدل، وتقلل من الفساد القضائي في بعض الأحيان؟

>> اللجوء إلى السلطة التقديرية ناتج عن عدة تراكمات وتجارب سالفة موروثة في القضاء المغربي وفي اعتقادي لا يمكن الاقتصار في العمل القضائي على نصوص المدونة الجديدة وفي فترة وجيزة وفي إطار التضاربات في التأويلات وفي غياب تكوين موحد لباقي القضاة واختلاف البيئات داخل الوطن، وفي هذا السياق لايمكن سلب وسحب هذه السلطة التقديرية من أيدي قضاة مارسوها وتعودوا عليها في فهم بعض النصوص وتنزيلها على نوازل طارئة، وكأبسط مثال على ذلك: تقدير نفقة المطلقة والأولاد تختلف من قاض لآخر في الملفات المتشابهة بل وداخل المحكمة الواحدة.!!

< سجلت بعض الجمعيات النسائية بعض الخروقات التطبيقية في قضايا : السكن، النفقة، اقتسام ممتلكات الزوجية وإثبات النسب. إذا كانت دار لقمان ما زالت على حالها، فلماذا كل هذا الضجيج حول المكتسبات في ظل المدونة الجديدة؟

>> في اعتقادي لن تتوقف هذه الجمعيات عن تسجيل ملاحظاتها بخصوص المدونة، في الوقت الذي صفقت فيه لصدور قانون مدونة الأسرة وإبداء ارتياحها، ولن نتعجب في المستقبل القريب إذا ما سجلت مطالب جديدة لتغير بعض نصوص هذه المدونة !!.

< يلاحظ أن وزارة العدل تحفظت على إعطاء حصيلة رقمية أو إحصاءات، لماذا في نظركم هذا الإجحام؟

>> نحن مع الإحجام إذا كان يخدم الصالح العام ويجنبنا الويلات داخليا وخارجيا ولسنا معه في غياب آليات تدارك مكامن الضعف والمبادرة إلى إصلاحها.

مقــترحات

لانجاح قانون الأسرة وتجنيبه الاخفاقات، نقترح ما يلي:

1- إحداث هيئة استشارية من ذوي التخصصات المتنوعة (علماء شريعة وقانون  خبراء…)، يستأنس بها القضاء عند البث في بعض القضايا الشائكة.

2- إلحاق بعض العدول المبرزين وذوي الشهادات العليا بأقسام قضاء الأسرة والاستفادة من خبراتهم لحل قضايا الأسرة.

3-  الاستمرار في الاهتمام بقضايا الأسرة إعلاميا وتخصيص أوقات وحلقات دائمة لتوضيح ما أشكل فهمه.

> حاوره : محمد البنعيادي

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *