طرق الارشاد في الفكر والحياة


الحلقة 17 : أصول وقواعد في التبليغ

الحقائق الإسلامية ومعرفة

الفترة المعاصرة

لقد تبدل تقويم الأشياء والنظر إلى الحوادث في وقتنا الحاضر تبدلاً كلياً، فالمنطق والعقلانية في مقدمة الأمور، وقد حازتا أهمية كبرى في التقويم، حيث الكفر والإلحاد يتكلمان باسم العلم والفلسفة. ومن هنا يضطر المسلم مقابلتهم بالتقنية نفسها، وهذا وثيق الصلة بمعرفة ثقافة عصره، وما العلم والعرفان اللذان لا ينفكان عن المسلم إلاّ هذا الأمر.

إن من لا يعرف مجريات عصره كمن يعيش في دهليز مظلم، عبثاً يحاول أن يبلّغ شيئاً عن الدين والإيمان إلى الآخرين، فعجلات الزمن والحوادث ستفقده التأثير إن عاجلاً أو آجلاً. ومن هنا فعلى المؤمن أن يفهّم ويبلّغ ما ينبغي أن يُفهّم بأسلوب ملائم ومنسجم والمستوى الفكري والعلمي والثقافي لعصره، ولعلي أجزم أن مرشداً وداعية – في يومنا هذا – إذا ما تمكن من تطبيق هذه النقطة المذكورة يسبق الأولياء والأقطاب في الآخرة، إذ يقف خلف الأنبياء عليهم السلام. نعم إن هذه النقطة سامية وجليلة إلى هذا الحد. علماً أن التمسك بها وتنفيذها صعب أيضاً مثلما أنها ضرورية جداً.

إن من لا يعرف عصره لا يختلف عمن يعيش تحت الارض، بينما المبلّغ أو الداعية يجوب في الفضاءات. وعندما يجول بين النجوم بعقله، يعاين بقلبه وبلطائفه الأخرى رياض الجنان، أي عندما يحجزه عقله في المختبر جنب (باستور)، ويسيّره برفقة (انشتاين) في أعماق الوجود، تراه واقفاً بروحه بكل إجلال وتوقير أمام الله سبحانه وأمام رسوله الكريم ، فينصبغ بصبغة الله مراتٍ ومراتٍ في اليوم الواحد.. واعتقد أن المرشد الحقيقي هو هذا. تأملوا في كلام النبي ، لماذا لقي قبولاً وتأثيراً لدى مخاطبيه؟ لأنه تعامل مع عصره بمثل ما يتعاملون به بينهم. ولا شك أن جميع الأوامر الآتية من الرب الجليل لا تخالف الحوادث الجارية فيالكائنات، ويكفي للإنسان أن يدرك حكمة الوجود وروحه، فينسّق ما يريد أن يبلّغه وفق ذلك.

وكذا الأمر لدى الصحابة الكرام رضوان الله عليهم أجمعين أخذوا ظروف واقعهم ومستوى مخاطبيهم بنظر الاعتبار لدى تبليغهم ودعوتهم، وذلك ما تعلّموه من الرسول الكريم ، لذا سَمَوا إلى مستوى رفيع في قوة التأثير ما جعل الدنيا تجثو أمامهم في أقصر وقت. وكذلك فعل جميع العظماء الذين أتوا بعدهم من الوارثين الحقيقيين للرسول الكريم ، سلكوا الأسلوب نفسه في التبليغ وإن تخالفت مسالكهم، حيث أدركوا مدارك عصرهم، فدام تأثيرهم إلى يومنا هذا، كالإمام الغزالي والإمام الرباني ومولانا جلال الدين الرومي وأمثالهم من الدعاة الثبت.

ولكن لما آل الأمر إلينا.. فأسفاً.. أدرنا ظهرنا إلى العلم، كوارثين غير صالحين لأولئك الأبرار. حيث دمّرنا ما يجعل المسلم مسلماً حقاً من آداب وأركان. فنحن ضحايا جهلنا.

علاقة القرآن بالقلب

لابد أن ينظم المبلّغ قلبه وضميره وفق القرآن الكريم ويجعله متناغماً معه. ويعبّر القرآن الكريم عن هذا بالآية الكريمة الآتية: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ}(ق:37).

نعم إن القرآن الكريم كتاب وعظ وإرشاد وذكر وتذكير، ولكن الشرط الأساس لانفتاح القرآن إلى هذه الجهات هو انفتاح القلوب نحوه. ولأجل ذلك على القارئ أن يسدد نظره ويلقى سمعه نحو القرآن. أي أن يتوجه إلى القرآن الكريم بكيانه كله، إذ من المحال الاستفادة من القرآن على الوجه المطلوب باتباع سبيل آخر. حيث إن من لا ينظم أطواره وفق هذا النسق لا يستطيع أن يرى الجهة المعجزة المنورة للقرآن، فلا يميز كلام الله عن كلام إنسانٍ ما. ومن هبط إلى هذا الدرك لا يرجى منه أن يؤدي عملاً ما باسم  القرآن، لأن القرآن يعقب بعد (ذلك الكتاب لا ريب فيه) (هدى للمتقين). أي أنه كلام رب العالمين لا ريب فيه، ولكن لا يستفيد منه على الوجه المطلوب إلاّ المتقين. والمتقون هم أفضل الناس معرفة بالشريعة الفطرية. فكما لا يكون المهمل متقياً، لا يستفيد من القرآن أيضاً حيث إن قلبه قد مات. والآية الكريمة تبين ذلك: (يَنظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنْ الْمَوْتِ فَأَوْلَى لَهُمْ}(محمد: 20).

ترى ماذا سيفهم من القرآن ومن كلام الرسول الكريم صلى الله عليه و سلم من ينظر إليه نظر المغشي عليه من الموت.. لا شيء قطعاً. ولكن الذي يسدد قلبه نحو القرآن يستشعر بالحوادث التي تجري في الكائنات كنبضات قلبه. لماذا؟ لأنه أوجد وحدة بينه وبين الكائنات. فالذين لا يملكون القدرة على جس نبض الحوادث لا يقال عنهم أنهم يعملون شيئاً كثيراً للإرشاد. إذ إن هذا الأمر ذو علاقة بكيفية النظر إلى القرآن ككل.

وإذا ما اقتربنا إلى المسألة نفسها من زاوية أخرىنقول: إن أول شرط لا يستغنى عنه المبلّغ قط هو تطبيقه الآيات الكونية الظاهرة في الآفاق والأنفس، بالآيات القرآنية المتلوّة، ومن ثم صياغة مركب منهما. وبمقدار نجاحه في هذا الميدان يوفق في تبليغه وإرشاده. وبخلافه لا شيء إلاّ الإسراف له ولمخاطبيه.

نعم إن المبلّغ يتصف بكامل كيانه بالصفات الإسلامية، وجميع أطواره وأحواله تدل على حيازته لها. وإن القدرة على تحليل الآيات الآفاقية والأنفسية وصياغة تركيب منهما لا تفارق المبلّغ، فضلاً عن الاتصاف باللطف والنـزاهة والشفقة والنظام وأمثالها من الصفات التي تجعل المؤمن مؤمناً حقاً.

وبتعبير آخر: كما أن كل صفة من صفات الكافر ليست كافرة فكل صفة من صفات المؤمن أيضاً ليست مؤمنة. وربما تكمن صفاتٌ مؤمنةٌ في فلاح الكفار في الوقت الحاضر في كثير من النواحي في أرجاء الدنيا، وان تلوثنا بصفاتهم الكافرة سبب انهزامنا. وينبغي على المؤمن أن يتصف ويتشبث بكل صفة من صفات المؤمن، وبخاصة المبلّغين الذين هم في مقدمة المؤمنين عامة بل يسبقونهم بخطوات. فمثلاً: المؤمن إنسان اللطف، إنسان النـزاهة، مثال الشفقة والرحمة وهو بهذه الصفات يرى الكائنات أنها مهد الرحمة، موطن الأخوة.. وحياته منظمة بكاملها، لا يمر عليه آن إلاّ وهو منوّر، لا يعرف الإسراف في الوقت. وليس له قضاء الوقت في المقاهي، لأنه لم يرد شيء من هذا القبيل في السيرة المطهرة، بل موقعه خارج مسكنه المساجد والمعابد ومواضع تبليغ دعوته إلى المحتاجين، فهو محمّل بالمعرفة ومشحون بالعرفان وأبعد من يكون عن الأمور الاعتباطية، إذ هو رجل منهج وخطة دوماً، وهو الخبير بالعلاقة بين السبب والمسبب وهو النافذ نفوذاً تاماً إلى روح الأشياء.

نعم مثلما ذكرنا أعلاه إن سبب تفوق الغرب في الوقت الحاضر هو ما أخذوه من صفات المسلمين، لذا تراهم يجولون في الذرى. بينما تحوّل العالم الإسلامي إلى حمّال رذائل صفاتهم، فهو عندما يأتي إلى المسجد يلقي صفاتهم كالمعطف على كتفه، والآخر يسعى إلى الكنيسة بالصفات التي تخص المسلمين. بمعنى أن الغالب في الوقت الحاضر ليس الغرب نفسه وإنما الصفات الإسلامية التي فيهم. وكذا المغلوب ليس المسلمين بل الصفات الكافرة التي قلّدوها. فلا نجاة لنا حقاً إلاّ باعتصامنا القوى بالقرآن الكريم.

في الحلقة القادمة بحول الله :

– استعمال الوسائل المشروعة

– الأجرة وطلبها

ذ.محمد فتح الله كولن

 

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *