سلمان الفــارســي


لما وعدت القراء الكرام فيما مضى باللقاء مع الصادقين فكرت وقلبت النظر في سير الأخيار الذين صنعهم الإسلام وقدمهم إلى البشرية كأعلام يشع نورهم على مدار الزمان ينير طريق الحيارى ويرشدهم إلى السبيل الأقوم والمصير الأسلم، فاحترت بمن أبدأ ولماذا؟ فوفقني الله إلى البدء بشخصية ربانية يحتاج الشباب المسلم إلى الاقتداء بها وبمنهجيتها  في البحث عن الحق، ألا وهي شخصية : “سلمان الفارسي”.

انبعث سلمان من مستنقع المجوسية من غير دليل يدله أو مرشد يرشده إلا تلك الفطرة السليمة وذاك العقل الحصيف الذي تفطن به لإنسانيته وعلم أن الإنسان المكرم يستحيل أن يكون عبدا لما سخر له من الأشياء العاجزة والمخلوقات الضعيفة التي لا تملك لنفسها ضرا ولا نفعا، بل العقل يهدي إلى عبودية قوة كاملة قاهرة يحتاج إليها كل شيء وهي غنية عن كل شيء، وهي التي اهتدى إليها إبراهيم عليه السلام لما تأمل في الكوكب الآفل والقمر الآفل والشمس الآفلة، وعلم بأن الأفول نقص لا يتصف به المعبود لذلك قال:  {يا قوم إني وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفا وما أنا من المشركين}. وكأني بسلمان ينحو نفس المنحى مع الفارق لأنه ما أن عَنَّ له بصيص من النور حتى عَزَم عَزْم الصادقين للبحث عن هذه القوة مهما كلفه الأمر، ولذلك جاب الآفاق حتى بلغ غايته فوجد ربه ووجد معه نفسه.

نعم هذا هو الدافع الذي جعلني أختار سلمان لعلي أستطيع إيقاظ ضمير الشباب المسلم الذي يملك من الكنوز ما لا يملكه غيره، ويمسح عن عينيه غبار الإلف والعادة والتقليد الأعمى للغير ويعود إلى نفسه ويسألها عن وظيفته في الوجود ومهمة رسالته ونهاية مصيره.

هذه الأبعاد التي تجشم سلمان في سبيلها العناء الذي لا يخطر على بال بالرغم من عدم وضوح الرؤية وكثرة المعوقات وتوالي النكبات، وهذا ما سنراه ونعيش معه في رحلته انطلاقا من :

1- سلمان من بداية رحلته إلى بلوغ الهدف.

2- سلمان من بلوغ الهدف إلى لقاء الله

من هو سلمان ؟

إن سلمان فارسي الأصل من منطقة أصبهان من قرية جي إبن دهقانها ومن أغنيائها الكبار، رزق به أبوه بعد ما بلغ من الكبر عتيا، لذا أحبه حبا جعله يحبسه في المنزل تحت عينه ورقابته ووجهه إلى أسمى منزلة في قومه فوهبه لخدمة النار -الإله المعبود- فخدمها بإخلاص حتى أصبح قاطنها.

إن أباه هذاكان متخصصا في الزراعة وامتلك عدة ضيع كان على رأسها ضيعة تدر عليه الخير الكثير، وكان يتعهدها بنفسه وفي يوم من الأيام شغله عنها شاغل فكلف سلمان بتفقدها وأوصاه بأ لا يتأخر عنه لأن أمره يهمه أكثر من ضيعته .

ذهب سلمان لمهمته وفي طريقه هيأ له قدره بأن يمر على كنيسة فسمع أصوات تسابيح وتراتيل فدخل عليهم وأعجب بصلاتهم  وقال في نفسه : “هذا والله خير من ديننا الذي نحن عليه” وبقي معهم حتى غربت الشمس، وعند فراقهم سألهم عن أصل هذا الدين فقالوا له إنه بالشام. وفي المساء عاد إلى أبيه وهو في حيرة من أمره فسأله عن سبب غيابه فأخبره بما حدث فقال له يا بني : “ليس في ذلك الدين من خير إنما الخير في دينك ودين آبائك” فأجابه سلمان بحدة  “كلا والله إنه لخير من ديننا”، فاحتدم الصراع بين الأب الذي يصر على التمسك بموروثات  الآباء والأجداد وبين الابن الذي فتح الله بصيرته وأنار عقله فهداه إلى الفرق بين الخالق الغني عن كل شيء والمخلوق المفتقر إلى كل شيء، وانتهى الصراع بسجنه ووضع قيد الحديد في رجله.

وأمام هذا الوضع بعث سلمان إلى النصارى وطلب منهم بأن يخبروه بأول قافلة تتجه إلى الشام، و فعلا أخبروه، فكسر قيده والْتَحَق بالقافلة، وما إن وصل إلى الشام حتى سأل عن أعلم الناس بهذا الدين فأرشدوه إلى الأسقف بالكنيسة فاتجه نحوه وقال له : “يا سيدي إني رغبت في هذا الدين فأحببت بأن أكون معك وأخدمك وأتعلم منك وأصلي معك” فرحب به وقال له ادخل .

نعم دخل سلمان إلى الكنيسة وأخذ يتعلم ويراقب أعمال الأسقف المتناقضة بين القول والعمل، يرغب الناس بإنفاق  المال على الفقراء والمحتاجين ويكنزه لنفسه، فأبغضه بغضا شديدا. ولما توفي جاء النصارى لدفنه فأخبرهم بخبره ودلهم على مكان كنزه فأخرجوا سبع قلال مملوءة بالذهب والفضة، فصلبوا جسده ورجموه بالحجارة . وإلى هذا النوع يشير المولى في قوله : {يأيها الذين آمنوا إن كثيرا من الأحبار والرهبان ليأكلون أموال الناس بالباطل ويصدون عن سبيل الله والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم}( التوبة) ثم نصبوا مكانه أسقفا آخر فوجد سلمان فيه البغية حيث يقول : ” ما رأيت رجلا أزهد منه في الدنيا وأرغب في الآخرة، فأحببته حبا لا مزيد عنه وبقيت معه حتى حضره أجله فقلت له : “يا سيدي إنك تعلم أني أحببتك حبا لم أحبه غيرك وقد حضرك من أمر الله ما ترى فبم تأمرني وإلى من توصي بي؟”، قال له : “يا بني ما أعرف أحدا من الناس على مثل ما أنا عليه إلا رجلا بالموصل فألحق به”.

ولما دفن صاحبه طار إلى الموصل واتصل بالرجل وقص عليه قصته، فرحب به وبقي معه على أحسن حال صحبة وولاء إلى أن حضرت الأسقف منيته فطلب منه ما طلب من أخيه فأرشده إلى الأسقف بِنَصِّيبِين فرحل إليه وأخبره خبره، فرحب به وبقي معه إلى أن جاءه ما وعده ربه، فتقدم إليه سلمان أيضا وطلب منه ما طلب من إخوانه فأرشده إلى أسقف بعمورية في بلاد الروم، فارتحل إليه وقص عليه قصته، فأعجب بصدقه وثباته فرحب به وبقي معه إلى أن حضره أجله فقال له سلمان : “يا سيدي إن إخوانك قد أرسلوني الواحد تلو الآخر إلى أن وصلت إليك وقد حضرك وعد الله فبم تأمرني وإلى من توصي بي؟”  فقال له : “يا بني ما أعرف أحدا بقي على مثل ما كنا عليه، فأدلك عليه لقد أقفرت الأرض وعم الظلام بما بدل الناس وغيروا، لكن تباشير الفجر أخذت في الانبلاج و إنه يا بني قد أظلك زمان نبي يبعث بدين إبراهيم حنيفا يخرج بحرم مكة ومهجره إلى أرض ذات نخيل بين حارتين، وله علامات لا تخفى : يقبل الهدية ولا يأكل الصدقة وبين كتفيه خاتم النبوة إذا رأيته عرفته، فإن استطعت أن تخلص إلى تلك الأرض فافعل .

بعد ما دفن الرجل بقي سلمان يعبد الله ويعتني بغنيماته وبقراته التي اكتسبها، ويترقب قافلة تتجه إلى أرض العرب، وفعلا مرت به قافلة تتجه نحو ذلك فاتفق مع أصحابها على أن يحملوه معهم إلى أرضهم ويدفع لهم ما يملك من غنيمات وبقرات، فرحبوا به وحملوه معهم لكنهم لم يكونوا شرفاء ولا أهل ثقة، نترك سلمان يخبرنا بحالهم فيقول :

“ولما بلغوا بي وادي القرى غدروا بي وخانوني وباعوني عبدا ليهودي، وما أن أخذني معه ورأيت النخيل حتى رجوت أن يكون هو المكان الذي وصف لي، لكنمعالمه لم تكن واضحة .

نعم بقي سلمان يرصف في أغلال الرق حتى زار صاحبه يهوديا من بني قريضة ورأى سلمان فأعجب به واشتراه من ابن عمه وصحبه معه إلى يثرب وما أن وقع بصره عليها حتى تيقن بالوصف الذي وصف له .

بقي سلمان في يثرب منهمكا في أعماله لا يعلم شيئا عن الصراع المحتدم في مكة بين الرسول الكريم وبين جبابرة الشرك إلى أن بلغ الصراع مداه وتآمروا على قتل الرسول الكريم، فأذن له المولى بالهجرة إلى يثرب فهاجر ونزل بقرية قباء، واجتمع عليه المهاجرون والأنصار فغاظ ذلك اليهود فأسرع يهودي إلى صاحب سلمان وهو في حائطه وسلمان فوق النخلة قائلا له : ” قاتل الله بني قيلة فهم الآن مجتمعون على رجل من مكة في قباء يزعم أنه نبي، وما أن سمع سلمان هذا الخبر حتى طار صوابه وأراد أن يتأكد منه فرده صاحبه ردا عنيفا، لكن أشواق سلمان طارت إلى قباء وهو ينتظر نهاية يومه ليطير معها، وفعلا ما إن انتهى من عمله حتى حمل بعض ما كان يملكه من التمر واتجه إلى الرسول الكريم وهو بين أصحابه وقدم له التمر وهو يقول : ” يا سيدي كان عندي شيء من التمر نذرته للصدقة ورأيت أنكم أحق به، فكل منه وأطعم أصحابك ” لكن الحبيب المصطفى دفعه لأصحابه ولم يأكل منه شيئا فقال سلمان هذه الأولى وبعد أيام جاءه بدفعة أِخرى من التمر وقال له : ” يا سيدي رأيتك لا تأكل الصدقة فهذا شيء من التمر هدية مني إليك” فأخذه وأكل منه وأعطى أصحابه فقال سلمان : “والله إنها للثانية، لكن كيف السبيل إلى معرفة الثالثة؟وبعد أيام جاءه وهو في البقيع يشيع جنازة أحد أصحابه رضي الله عنهم، وصار يطوف به ففطن لمراده  فأرخى رداءه عن كتفه، فرأى سلمان خاتم النبوة كما وصف له صاحبه، فانكب عليه يقبل ويبكي.

نعم هذا هو سلمان الذي كان يعتز بانتسابه إلى الإسلام ويقول : “أنا سلمان بن الإسلام”.

عبر وعظات

ومن هنا يتضح أن قصة سلمان جديرة بالتأمل واستخلاص العبر منها :

1-  إن قصة سلمان تطلب من الشباب المسلم بأن يجعلها نبراسا ينير طريقه ويرشده إلى كيفية البحث عن الحق والتضحية في سبيله بدون كلل و لا ملل .

2- إن سلمان كان يعيش في بيت النعمة والجاه والسلطان والمركز السامي، وهذه الحجب إذا اجتمعت على المرء يصعب التخلص منها، لكن سلمان بفطرته الصافية ما أن ظهر له شعاع من النور حتى ضحى بكل شيء من أجل بلوغ مرامه .

3- إن سلمان بالرغم من قناعته الأولية لم يرض لنفسه أن يكون ببغاويا و إنما سأل عن مصدر هذا الدين وعزم على التأكد من صحته و كأنه يهيب بشباب الإسلام أن يحرروا عقولهم من الإمعية حتى لا ينعقوا مع ناعق الشرق وناعق الغرب، ويوطنوا أنفسهم على معرفة الحق الذي لا يجدونه إلا في منهج ربهم.

وكأنه يقول للشباب المسلم : حرروا أنفسكم من التقليد الأعمى للآباء والأجداد وللبشرية التائهة الشاردة عن اللهواعرفوا الحق الذي بين أيديكم وتمسكوا به وضحوا من أجله بالغالي والنفيس كما فعل سلفكم الصالح لتكونوا خير خلف لخير سلف .

4- إن أصحاب المبادئ لا تغريهم الوعود ولا يخيفهم التهديد ولا تقيدهم القيود ولا تثنيهم المسافات والسدود عن بلوغهم المقصود وهذا ما اجتمع عليه سلمان مع إخوانه المهاجرين في ميدان القيم.

5- إن سلمان تقلب في أحضان العلماء يطلب العلم من منابعه، فصادف في طريقه العلماء العارفين الأتقياء الأنقياء الذين يعيشون بأجساد أهل الدنيا وقلوب أهل الآخرة هم مصابيح الهدى وقوارب النجاة، كما صادف علماء أدعياء يختلسون الدنيا بالدين ويتظاهرون بالتقوى والورع -وما أكثرهم في زماننا الحاضر- مع العلم أنهم كلهم نفاق ومكر وخداع، فأحب أيها الشاب الصادق الطائفة الأولى وعش معها وابغض الثانية في الله وكن في حذر منها.

6- إن أسقف عمورية دل سلمان على نبوة رسول الله  وعلى العلامات المعروفة عندهم في التوراة والإنجيل يقول تعالى : {الذين يتبعون الرسول النبيء الأمي الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل} وما بدلوا وما غيروا ذلك في كتبهم إلا حقدا وحسدا من عند أنفسهم و إشعال نار الحرب على الإسلام والمسلمين في كل زمان و مكان و ما النار التي نصطلي بها في كل بقاع العالم الإسلامي إلا بفعل اليهود والنصارى الخارجين عن إنجيل عيسى وتوراة موسى، لذا يلزمنا أن نحتاط منهم ونحذر من كيدهم يقول تعالى : {ودوا لو تكفرون كما كفروا فتكونون سواء فلا تتخذوا منهم أولياء}

7- إن قصة سلمان تبين لنا أن الكفر لا عهد له ولا ميثاق، يتجلى ذلك في خيانة سلمان والغدر به وهذا ما نراه في المواثيق و العهود الدولية في زمان العولمة والتي لا تساوي المداد الذي تكتب به، وهي شنشنة قانون الغاب، القوي يأكل الضعيف .

ذ.علي علمي شنتوفي

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *