رســـالــة الـمــرأة الـمسلمـة


من القضايا التي لا يختلف فيها اثنان، أن المرأة قاست على مدى الأجيال والقرون ـ قبل ظهور الإسلام ـ في أكثر  الأمم القديمة ألوانا من سوء التقدير، ظلمت إنسانيتها، وغمطتها الكثير من حقوقها، وأبعدتها عن مكانها الذي يجب أن تتبوأ في المجتمع، وهذه القضية تتنازعها تيارات مختلفة في عصرنا، فللمرأة المثقفة رغبة في التخلص من القديم، واحتذاء مثال المرأة الغربية، وهناك من يتملقها ـ من الرجال ـ بالتأييد بلا قيد ولا شرط، وهناك من يرى  القيود والشروط، وهناك من تربطه بالماضي نزعة تدعوه إلى الجمود والتطير، ولا شك أن شيئا من ذلك لا يصلح أن يكون علاجا للقضية، بل لا شك أن ذلك كله هو أول ما يجب أن نسقطه من أذهاننا حين البحث عن الأسس السليمة لإنصاف المرأة ورسم خطوط مستقبلها وبيان رسالتها في الحياة، ولتحقيق ذلك لا بد أن نتجرد من كل الأهواء والنزعات، ونعتصم قبل كل شيء بديننا وشريعتنا، وننظر في الأمور نظرة فطرية صحيحة نتبين بها سنة الله في خلقه، التي حددت للمرأة وضعها ورسالتها في الحياة.

إن وضعية المرأة في الحياة واضحة تمام الوضوح، فهي إنسان كالرجل تنجبها أم واحدة من صلب رجل واحد، ذلك منطق الفطرة، فلا تفاضل بين إنسانية فرد وإنسانية آخر إلا بالتقوى  والعمل الصالح، ولا تمايز بين إنسانية ذكر وإنسانية أنثى، فإنسانية المرأة مساوية لإنسانية الرجل في الأصل والمنشأ والمصير. قال تعالى : {يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء}(النساء : 1).

فالإنسانية وصف عام تشترك فيه المرأة والرجل، ولكنهما يفترقان في كثير من صفات التكوين الجسماني بحكم الذكورة والأنوثة، فينفرد الرجل بوصف خاص، وتنفرد المرأة بوصف آخر هو الأنوثة، وبهذَيْن الوصفين يتعين مكان المرأة وتستبين معالم رسالتها، ويتحدد مالها من حق، وما عليها من واجب.

فمن حقها التنشئة الحسية، أي تربية البدن بتوفير مطالبه الضرورية من المأكل والمشرب واللباس وغيرها، ومن حقها التنشئة العقلية بتربية مداركها وتنمية مواهبها الفكرية، ومن حقها كذلك التنشئة الروحية ببث العقيدة المسلمة عقيدة التوحيد، وإحاطتها بجو الفضيلة التي دعا إليها الإسلام، فهي في هذه الأمور كلها صنو الرجل سواء بسواء.

إن مهمة الأنوثة معروفة إجمالا، فقد أراد بها الله تعالى تنظيم بقاء النوع الإنساني، على نحو يكفل أفضل المزايا للنسل حين الحمل، وحين الحضانة، وعلى المرأة في ذلك واجبات ولها حقوق.

فمن واجباتها أن تراعي المقصد الأصيل الذي خلقها الله تعالى  من أجله، وهو الرعاية، فلا تستهين به، ولا تتخلف عنه إلا لعذر شرعي، وأن تسلك لتحقيق مقاصد الشرع أشرف مسلك يتلاءم مع رسالتها في رعاية الفضيلة، فتصون بها إنسانيتها من الابتذال، وترعى لأبنائها حق النشأة الكريمة، وذلك لا يتحقق إلا بالزواج الشرعي الذي هو ميثاق ترابط وتماسك بين الزوج والزوجة على أساس المودة والرحمة وحسن المعاشرة. ولها بإزاء ذلك حقوق، فمن حقها قبل الزواج أن توجه إلى  ما يجعلها زوجة فاضلة، وأما كريمة وربة بيت مدبرة، ومن حقها وهي زوجة أن يقوم لها زوجها بنفقة ما به قوام الحياة بالمعروف، ومن حقها وهي أم كبيرة، الرعاية المحفوفة بالتعظيم وعرفان الجميل.

تلك هي تعاليم الشريعة السمحة التي رفعت من قدر المرأة، وهو منطق الفطرة، ولا شك أن أفضل الحضارات هي التي تقدر مكان المرأة.

إن فهم المرأة لمعنى الحق، وتقديرها لقيمته لا يرجع إلى أصول الشريعة، بل يرجع إلى الرغبة الطائشة في تحقيق مساواتها بالرجل، ولكنها لم تنظر في دواعي الإصلاح إلا إلى الجانب الفكري الذي يجمعها والرجل على  نحو من التماثل، دون التفات إلى ما وراءه من الفوارق الطبيعية، فتعلمت تعلُّم الرجل لا تعلُّم المرأة، وتقمّصت في الحياة مهنة الرجل ابتغاء تحقيق تلك المساواة، ونسخت بذلك كثيرا من الفوارق التي كانت بينها وبينه، واتجاه المرأة على هذا النحو إلى تحقيق المساواة بالرجل في كل شيء يخلو من الاهتمام بأشرف وظائفها ورسالتها في الحياة، فلم نسمع أو نقرأ ـ مثلا ـ أنها طالبت بإقامة معاهد للأمومة والزوجية، ورعاية شؤون الأسرة، أو احتجَّت وصرخت في وجه الشركات الإشهارية التي تتخذ من جسدها سلعة للإغراء، وتستغل أنوثتها في زيادة أرباحها وترويج سلعتها، إلى جانب ما ترى  حولها من معاهد الرقص والغناء. وخلُوُّ اتجاهها من الاهتمام بوظائفها الطبيعية، يدل على عدم اكتراثها بنفسها باعتبارها أنثى، أو يدل على  نزوع نفسي خطير يمثل الضيق بالأنوثة مع تصور الرفعة في مكانة الرجل، فهي تتمنى أن تكون رجلا لا أنثى، وهذا إحساس منها بأن الأنوثة أقلُّ قدرا من الذكورة،والله تعالى  يقول :{من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مومن فلنحيينه حياة طيبة}(النحل : 97).

المرأة في الإسلام تمتعت منذ فجره، بكامل حقوقها الإنسانية، فشعرت بكرامتها تحيا، واعتبارها يعود إليها، وكان لهذا الشعور أثره على حياتها، فأقبلت على الإسلام بنفس راضية، فظهرت نساء عظيمات مصلحات ومربيات في تاريخ الاسلام شاركن في تدبير شؤون الأسرة وشؤون الأمة، فعلى المرأة المسلمة لكي تؤدي رسالتها على  الوجه المطلوب منها شرعا، أن تثق بأنّ عزتها وسعادتها في طاعة ربها والقُرْب منه عز وجل، وعلى علماء الأمة المخلصين الربانيين أن يبيِّنوا للناس عامة وللمرأة خاصة، أن الفتنة الواردة علينا من الغرب، فتنة لا يوقِفُها إلا الاسلامُ وتعاليمُه المطبقة في عهد رسول الله  وصحابته، لأن هناك دعاة سوء فتانين يؤذون الله ورسوله والمؤمنين بسوء تصويرهم للإسلام والمسلمين. قال تعالى : {إن الذين يوذون الله ورسوله لعنهم الله في الدنيا والآخرة وأعد لهم عذابا مهينا}(الأحزاب : 57).

ذ.حسني أحمد عاشور

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *