تفسير سورة التغابن -62


الشح مرض نفسي

يستمر الحديث عن الانفاق بذكر نقيضه وهو الشح، فذكر الله تعالى أن من يوق شح نفسه ويُحفظ منه فإنه من المفلحين، والفلاح حينما يتحدث عنه كتاب الله لا بد أن يكون فلاحا دنيويا وأخرويا، هذه آفة من آفات النفس،  وعيب من عيوبها، ومرض من أمراضها، يشير إليه القرآن، لأن القرآن يربي الأجيال التي تنشئ هذه الحضارة الإسلامية. إن الحضارة الإسلامية ليست حضارة معيبة، إنها حضارة متناسقة حضارة متكاملة، ولا يمكن إنشاء حضارة بهذا الشكل بأناس وبأمة تسكنها عيوب كثيرة، فإصلاح نفس الإنسان ومتابعته في هذه الأمور الخاصة والدقيقة في حياته هي حقيقة التربية الإسلامية. التي تستهدف إيجاد الجيل المسلم الذي ينشئ الحضارة الإنسانية التي يسعد بها المسلمون ويسعد بها الآخرون كذلك.

هذا مرض من أمراض النفس وهو البخل يقف عنده كتاب الله تعالى ويحدد منه موقفا، لأن لا تبقى القضية قضية شخصية، ولأن يبقى التصرف في المال يعود إلى مزاج الإنسان واختياره. إن القرآن وحي، والوحي كما أنه ينظم الصلاة والصيام والزكاة هو كذلك ينظم الإنفاق، والإنفاق قضية خطيرة جوهرية في حياة الإنسان.

إننا حينما نتحدث عن النظام الدنيوي، حينما نتحدث عن تسيير الدنيا، حينما نتحدث عن المجتمع المدني، حينما نتحدث عن هذه الأشياء، فإن أبرز شيء فيها هو النظام الاقتصادي الذي يروج، أي كيفية الانفاق التي تشيع في مجتمع من المجتمعات.

إن القرآن حينما يلامس قضية الإنفاق ويطيل معها الوقوف، فمعنى ذلك أنه دين ينظم الدنيا كما ينظم الآخرة. إن الذين يريدون أن يجعلوا من ديننا دينا ينظم العلاقة الأخروية أو العلاقة الروحية فقط، هؤلاء لا يعترفون إلا بجزء من الدين إنهم لا يعترفون إلا بجانب من جوانب الدين، وهو ذلك الجانب الذي نظم فيه الإسلام فعلا الحياة الروحية، لكننا الآن لا نجد حديثا عن صلاة ولا عن تيمم، ولا عن صوم، وإنما نجد حديثا عن قضية هي في عمق النظام الدنيوي، إنها قضية الإنفاق.

القرآن يقول إن الذي يُحفظ ويوقى ويقيه الله شح نفسه فإنه من المفلحين. والقرآن يقول في عبارة دالة وعبارة عميقة إن هذا الشح مرض من أمراض النفس {ومن يوق شح نفسه} بمعنى أن الشح آفة من آفات النفس ومرض من أمراضها وعاهة من عاهاتها.

والإسلام إذن يعالج ذلك. إن النفس بطبيعتها، مركوزة فيها غريزة التملك، وامتلاك الأشياء فطرة في النفوس، ويستحيل أن نتصور أناسا يتجاوزون هذه الغريزة، ولا يمتلكون ويحلمون بما كان يحلم به ماركس من زوال الملكية، ومن كون الأشياء فيما بعد مشاعة حينما نصل إلى المجتمع الشيوعي كما كان يحلم به، إن الإنسان بطبيعته يريد أن يثبت وجوده من خلال امتلاكه لشيء، يريد أن تكون حياته دائرة حول شيء يرعاه وينميه ويستثمره ويبلغ به درجات خاصة، إذن فالتملك جِبِلَّة ثابتة تنكر لها بعض الناس، وكان بعضهم يستخف بها في زمن المد الشيوعي، وبدل الشيوعيون الجهد الكبير في إقناع الناس بترك التملك، وأُذن لهم بعد مذابح ومجازر بامتلاك حد أدنى، ونحن نعرف ما فعله استالين في سبيل تطبيق هذه الفكرة الخاطئة، وكل ذلك أفلس وأثبت فشله، وانتهت القضية.

إذن فالملكية شيء في النفس، لكن حب التملك يمكن أن يصيبه المرض، فيمكن أن يصير حبا زائدا، ومبالغا فيه فيخرج من حد التملك المعتدل إلى درجة أخرى هي درجة الشح والتقتير وإيقاف المال وحرمان الناس حقوقهم، هذه آفة، كما يمكن أن يبلغ حب التملك، درجة أخرى من المرض فيصير الانسان مبذرا ومسرفا ويقع حينئذ اختلال. فالتبذير اختلال في الملكية، والتقتير كذلك اختلال فيها، والإسلام جاء بالتنظيم، لم يأت ليبيح الإسراف والتبذير وتشتيت الأموال والطاقات والقدرات، كما لم يأت ليربي الناس على الإمساك وعلى القبض، لأن  ذلك أيضا ليس منهجا صحيحا، والإسلام يتحدث عن شيء وهو عيب النفس والله تعالى قال : {ومن يوق} أي من يحفظ {شح نفسه} أي هو عيب من عيوب نفسه {فأولئك هم المفلحون}.

إذن هذا يفتح المجال أمامنا لنقف مع هدي الإسلام وتوجيهه وعطاء علماء الإسلام، لأن علماء المسلمين كانوا يفسرون كتاب الله، وكانوا ينطلقون من كل آية من أجل أن يضيئوا جميع جوانبها، من أجل أن يعطوا فهوما كثيرة، فصار القرآن إذن محورا للثقافة الإسلامية ككل، أي الآية الواحدة تثير مجموعة من المعلومات، أي الآية الواحدة تكون مناسبة لاستعراض قضايا كثيرة، والعلماء المسلمون وقفوا عند هذا الموضع وبينوا فيه شيئا كثيرا.

إن الله تعالى ـ انطلاقا من هذه الآية، ومن آيات أخرى ـ يعيب على الإنسان الشح، حيث يقرر أن من يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون، وعلى العكس، الذين يبخلون لن يكونوا من المفلحين، بل هم من الناس الذين خاب سعيهم {ولا يحسبن الذين يبخلون بما آتاهمالله من فضله هو خيرا لهم، بل هو شر لهم، سيطوقون ما بخلوا به يوم القيامة} إذن فهذا البخل شر والتقتير شر، ومنع الحقوق شر، ويكون شرا في الدنيا ويكون شرا في الآخرة حينما يطوق الإنسان بذلك المال ويكبل به فيكون ماله سبب عذابه. إلى درجة أنه يتمنى أن لو كان فقيرا في دنياه حتى لا يحصل له كل هذا العناء، وكل هذا التعب في آخرته. جاءت النصوص كثيرة متظافرة في تدعيم هذا المعنى، جاءت مفيدة لهذه الحقيقة إلى درجة أن رسول الله  يقول : “لا يدخل الجنة بخيل ولا خب ولا خائن ولا سيء المَلَكة” وهو حديث حسن.

د.مصطفى بنحمزة

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *