النورسي وفقه الدعوة-4


لقد بلغ من رهافة الميزان الذي كان يزن به “النورسي” أمور المسلمين وسلوكياتهم حدا بات مستعصيا على الانفعالات الآنية، وردود الأفعال المتشنجة التي تورد موارد الهلاك في كثير من الأحيان.

وإليك مثلا من هذا الفهم الواعي والعقلاني الذي كان يعالج به الأمور التي يُراد له الخوض فيها : “نشبت ثورة في الأقاليم الشرقية من “تركيا” بقيادة الشيخ “سعيد عيدان” الذي كان زعيما بارزا بين العشائر الكردية، وكانت هذه الثورة موجهة ضد سياسة “مصطفى كمال” الذي أثار نقمة الشعب باتجاهه المعادي للدين الاسلامي، وقبيل اندلاع الثورة أرسل الشيخ “سعيد عيدان” رسائل إلى الأستاذ “سعيد النورسي” يطلب منه الاشتراك معه في الثورة ضد حكومة “أنقرة” فرفض لعدم رغبته في إهدار دماء المسلمين الأبرياء في حركة لا أمل فيها.

ونسجل حوارا جرى بينه وبين “حسين باشا” رئيس إحدى العشائر الكردية :

حسينباشا : أريد أن أستشيرك في أمر، إن جنودي حاضرون، والخيول موجودة وكذلك الأسلحة والدخائر، وأنا أنتظر أمرا منكم.

النورسي : ما ذا تقول؟ ما الذي تنوي فعله؟ ومَنْ ستحارب؟

حسين باشا : سنحارب مصطفى كمال.

النورسي : ومن هم جنود مصطفى كمال؟

حسين باشا : ماذا أقول…. إنهم جنود

النورسي : إن جنوده هم أبناء هذا الوطن، هم أقرباؤك وأقربائي، فمن تقتل؟ ومَنْ سيقتلون؟ فكر وافهم، إنك تريد أن يقتل الأخ أخاه.

حسين باشا : إن الموت لأفضل من مثل هذه الحياة.

النورسي : وما ذنب الحياة؟ إذا كنت قد مَلَلْتَ من حياتك فما ذنب المسلمين المساكين؟

حسين باشا : “متحيرا” لقد أفسدت علي عزيمتي ورغبتي، ولا أدري كيف سأقابل عشيرتي التي هي بانتظار عودتي، سيظنون أنني جبنتُ، لقد أضعتَ قيمتي بين العشيرة.

النورسي : وماذا لو كانت قيمتك صفرا بين الناس، وكنتَ مقبولا عند الله تعالى؟

وعندما قال له حسين باشا إنهيريد تطبيق الشريعة قال له النورسي : أتريد تطبيق الشريعة الإسلامية؟

إن تطبيق الشريعة الاسلامية لا يكون بهذه الطريقة، فلو قلت لك : يا حسين باشا تعالى مع جنودك الثلاثمئة لتطبيق الشريعة، فإن جنودك وهم في طريقهم إلى هنا سيقومون بنهب وسلب كل من يمرون عليهم في الطريق.. وهذا مخالف للشريعة.

ورغم ما نأخذه على الدنيويين من استغراق في الدنيا، وانغماس فيها من قمة الرأس إلى أخمص القدمين، فيقيسون أمورهم جميعها بقاييسها، ويزنون نجاحهم أو إخفاقهم بموازينها، فإن المسلمين قد يجارونهم في هذا التصور المنحرف أحيانا دون شعور، فيقيسون دعوة الإيمان بمقاييسهم ويزنونها بموازينهم، فيستعجلون عندئذ النجاح، ويرتكبون الأخطاء وربما الحماقات من أجل أن يحققوا نجاحا دنيويا سريعا، ناسين أو متناسين أن للإيمان موازينه وحساباته الأخروية، وينسون حديثه  : “لأن يهدي  الله بك رجلا واحدا خير لك من الدنيا وما فيها” أو كما قال، وينسون أو يتناسون أن الدنيا ليست هي خاتمة المطاف، وأننا مأمورون بأن نزرع فيها حبات الإيمان، ولا يلزم أن نكون نحن الحاصدين، ولعل أجيالا أخرى تأتي بعدنا هي التي ستحصد ما تَسَنْبل ونضج من زرعنا، وهذا هو النجاح الحقيقي وإن كان غير آني ولا منظور دنيويا من قِبَلِنا، إلا أنه مرصود ومعلوم أخرويا.

فالموازين الأخروية هي الموازين التي ينبغي للمؤمنين أن يزنوا بها أعمالهم ويسعوا لكي تثقل فيها وترجح في كفتها، فذرة عمل خالصة لله تعالى ترشحهم للقبول لديها، وتهيؤهم للحصول على مكان عندها. لأنها ـ أي الآخرة ـ هي الحياة الحقيقية الخالصة والمحصنة ضد الموت والعدم ـ  أما الحياة الدنيا فما هي إلا ظل من ظلالها سيطويها الزوال والفناء يوما ما بكل موازينها ومقاييسها.

د.أديب الدباغ

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *