الأسرة المسلمة وديوان المظالم المتجدد


توطئـــة غير عابرة

جاهلية عمياء تئد النساء، وتأكل من عرق لحمهن في مواخير ومضارب سادة قريش، وترثهن متاعا زهيدا إذا ترملن.

جاهلية جهلاء سيصوغ جعفر بن أبي طالب بيانا وافيا ومركزا في ذكر مثالبها، وهو يمثـل رفقة إخوته وأخواته من المهاجرين السابقين، أمام الملك النجاشي، مستجيرا به وصحبه من مظالم قريش وطغيانها الرهيب.

قال جعفر مخاطبا النجاشي: “أيها الملكُ، كنا قومًا أهْل جاهلية، نعبد الأصنام ونأكلُ الميتة ونأتي الفواحش ونقطع الأرحام ونسيء الجوار، ويأكل القوي منا الضعيف، فكنا على ذلك حتى بعث الله فينا رسولا منا، نعرف نسبَه وصدقَه وأمانَته وعفافه، فدعانا إلى الله وحده  لنوحّده ونعبده، ونخلع ما كنا نعبد نحن وآباؤنا من دونه من الحجارة والأوثان، وأمرنا بصدق الحديث وأداء الأمانة وصلة الرحم وحسن الجوار، والكف عن المحارم والدماء، ونهانا عن الفواحش وقول الزور وأكل مال اليتيم وقذف المحصنات وأمرنا أن نعبد الله ولا نشرك به شيئا وأمرنا بالصلاة و الزكاة والصيام”.  انتهى قول جعفر بن أبي طالب.

هذا البيان الجعفري يلخص  ببلاغة، المنهاج والتصورَ النبويَّ في بناء المجتمع الإسلامي الموحَّد، الخالي من البغي والعنف والفساد وظلم المرأة. ولقد أتى على الإنسان حين من الدهر استهوته الشياطين، فتنكَّر لمهام الإستخلاف في الأرض، ولخالقه الذي تفضل عليه بالخلافة فيها، ونصب نفسه معبودا، وعلى شاكلة فراعنة الأرض المتعاقبين، البائدين، صاح في العوام، {أنا ربُّكم الأعلى}.

وبعد أن ملأ رسول الله  الأرض عدلا ورحمة وأمنًا وحرياتٍ شتى، تؤطرُها ضوابط العقيدة السمحة، ملأها الفراعنة الجدد صغارا وكبارا، ظلما وجورا، كما كانت قبل نزول الوحي، فارتكست مُسْتضعفة المُسْتضعفين، المرأة إلى وضعية الاستعباد، جاريةً بلا حدود، تنشد الحرية، ولَمَّا يتحققْ لها الوجودُ وما عادتْ لها من هويَّةٍ….

وحتى نمسك بخيوط الحكاية حكاية البغي والمظالم المتجددة سنتوقف في محطة أولى،  عنــــد حكاياتنا  المحلية المغربية، لنقبضَ على تفاصيل المظالم التي لازالت تقع على شخص المرأة، قبل أن نمسك في محطة ثانية بالخيوط الدولية لهذه المظالم، المستهدفة للمرأة المسلمة على وجه العموم.

حين يغتال الواقعُ النصَّ

شكلت التعديلات التي عرفتها ” مدونة الأحوال الشخصية” المغربية في حلتها الجديدة تحت عنـــــــــوان ” مدونة الأسرة”، بتاريخ أكتوبر 2003، حقلا وافرا للتحليلات والدراسات والتصريحات، ما بين مؤيدة متفائلة ومعارضة متشائمة وإن باحتشام، ومعارضة متطرفة، شكلت الصوت النشاز، باعتبار رفضها الصريح للإشارة الملكية الإيجابية في تدشينها لعقد تدبير جديد يطبعه من جملة تدابير أخرى،  السعيُ لإنصاف المرأة المغربية.

وقد اعتبرت هذه المعارضة -وإن كانت قليلة في عددها- ما لحق بالمدونة من تغييرات، مجرد “رتوش” وفُتات، لم يرْقَ إلى مستوى المطالب الجذرية للحركة النسائية العلمانية في مضمون الكثير من مطالبها….

وظل غائبا عن هذه المجموعة الأخيرة ( مع الاعتراف للكثيرات من عضواتها بحرقتهن الصادقة بخصوص وضعية النساء المتدهورة بأنحاء الوطن)، التشخيص الحقيقي لأسباب المظالم الواقعة على النساء، فكان التجاؤها إلى الشماعة التقليدية : الرَّجُل.

وهكذا خرجت من تشخيصاتها تلك، بتحليل مفاده أن الدواء يكمن في نزع القداسة عن نصوص المدونة وقص أجنحة الذكورة المتوحشة، من خلال قوانين جريئة وصادمة من نوع : حذف الولاية، ومنع التعدد قطعا وحرمان الرجل من سلطة إيقاع الطلاق، وتحقيق المساواة التماثلية داخل البيت وخارجه، وكذا المساواة في الإرث، إلخ، إلخ……..

وغاب عن أخواتنا أن الأمراضَ في الرُّؤُوس لا في النُّصوص، وأن اللطيف الخبير بخلْقه، الذي أنزل النصوص، أنزلَ معها الدواءَ للرُّؤوس ” الناشفةّ” لكنها أضاعت الدواء فاستفحلت العلل والأدواء وكان حطبها الرجل والمرأة على قدم سواء، ولم تنفع المسكِّنات، فسطقت الصومعة، فقيل اقْبِضُوا على الرَّجُل وعلى النُّصوص!!

فكيف سقطت الصومعة ؟ من هنا تبدأ الحكاية.

> 1- مع الشعب

“المعطي”  (ما عندو ما يعطي ) هكذا يمكن أن تختزل بشكل كاريكاتوري حكاية أسباب ثورة أهل المواطن المغربي المسمى المعطي، الذي في جملة واحدة، أقفل كل حنفيات المصروف البيتي وشَمَّع على غلاف  الراتب بالأحمر وترك زوجته وأبناءه الخمسة “يشحذون” السُّكَّر والشَّاي من الجيران!!

“خدوج” تؤكد أن كل تصرفاته تغيَّرت وأنها تَشُم في “السيكتور” رائحة أنْثَى، وحَدْسُ المرأة كثيرًا ما يصيب.

“خدوج” امرأة مهدَّمة، قاسمت المعطي الخبز الحافي والكدْح. اشتغلا معا عامِلَيْ نظافة  لأكثرَ من عشرين عاما وخرجا من مسيرة العطش ببيت زهيد  البناء والأثاث من طابقين….

المعطي الذي كسا الشيب شعيرات رأسه المتناثرة على صلع داهم، بدا وأنا أحدِّثُه كما لَوْ انحسَرَتْ من عُمُره عشرون سنة…. كانت حركاته وضحكاته المتصابية تُغرق خدوج الجالسة بعيدًا عنه في حنق يزيد وجهَها المجعَّد قتامةً….

– (أدوي معاه أختي فوزية، فلُوسْنَا كايمْشِيو فالْحَرَامْ وحْنَا كانْضِيعُوا، وهو عاد فَاقْ من النَّعَاسْ وبْغَا يدِيرْ بْحَال وْلاَدُو).

– (دْوِي معَاهْ رَاهْ  ما بْغَا كَاعْ يكتُبْ لِيَا حَقّي فالدَّارْ).

لم يكن المعطي، جارنا القديم جاهلا بالتعديلات الأخيرة في المدونة ومقتضياتها حول اقتسام الثروات، لكنه كان يؤمن بجَيْبه وسلطان معارفه أكثر من إيمانه بسُلْطان النصوص…

وبالتالي فتقنينُ التعدُّد لا يعينه كثيرا!… وهو يعرف كيف يستعيد نشاطه بعيدًا عن إكراهات المدونة حتى وإن تعلق الأمر بالْحَرَام، وحتى إن ظلتْ زوجته أشبه ما تكون “بامرأة المنْحُوسْ ما مُطَلَّقة ما عْرُوسْ” وحتى وإن أخَلَّ بمسؤولية القوامة الشرعية التي تلزمه بالإنفاق، وفي هذه النقطة بالذات يظهر المعطي كل براعته في فهم مضامين المدونة كما يحْلُو له، وهو يدعو خدوج إلى الإنفاق لأنه معسر!!  في الوقت الذي  تعمل فيه هي  خادمة “بجُوج فرَانْك”، وإن كانت بملامحها المرهقة، المتهدلة، تشارف على الإرتداد إلى أرذل العمر.

-(واش ماكتأَمَنْشْ بالمساواة، أنا كانْخَلَّصْ الكْرِيديات، هي تْهِز الدّار، فِيفْتِي، فِيفْتِي)،  يقول المعطي محيلا الحديث المنذر بعاصفة إلى مزاح.

> 2- مع الشعب

كل ما فيها ينطق بالروعة،روعة الخَلق والخُلق كأنها تمثال إغريقي نحتته يدُ فنَّان عبقري بل أبدع، إنه خلق المبدع الأكبر سبحانه.

رقيقة رقيقة حدَّ الإنكسار،  رومانسية حد الذوبان،  بحجابها المُسْدَل على تقاطيع جسدها البالغ الخلابة، تبدو ملاكا ظل طريق السماء فاختار الأرض سكنا، فكانت الفاجعة…

ذات صباح لا ككل الصباحات ستزور المستشفى في تفقدٍ لحَمَاتِها المريضة،  وهناك ستجد صبية بجوارها، ستعرف بعد لقاء قصير أنها ضَرَّتُها وأن زوجها الأمين الملتزم،  ظل لمدة سنتين يخبئ حكاية زواجه التي اعتبرها غلطة العمر…. لكن لا سبيل لإصلاحها إلا بالزواج….

الزوجة الملاك أضاعت البوصلة،  فالزوج الوفي كان لا يبيت  أبدا بالخارج، وكان أخلص لها من ظلها.

فكيف عدَّد ومتى عدَّد ؟!!.

أصابها الجنون، ظلت لشهور توقف الناس في الشارع وتسألهم : ّ لماذا تنظرون إلي هكذا،  هل أنا جميلة إلى هذا الحد ؟ ” نزعت الخمار، الذي كان يغطي وجهها، وأصبحت تتلفع بمنديل صغير يبدي مقدمة شعرها الأشقر!!…

وضاعت دُرَرُ المواعظ التي كانت تتحف بها جليساتها، كما ضاعت أخلاقها التي كانت مضرب المثل،  وأصبح همها الأكبر أن يكتشف الجميع، مواطن خلابتها، فقد تقرأ في عيونهم المستثارة،  خطأ زوجها الفادح في تقدير جمالها….

وحتى كتابة هذه السطور تروي صديقاتها المقربات أنها لازالت غارقة في نوبات البكاء،ومستغرقة بميولاتها الاستعراضية في الشارع ومع الأخوات،  وهي على حافة الجنون…

والأخ المغوار،لاهٍ عن مصير امرأة تتحطم رويدا رويدا، وبكل برود يؤمن بأن تطبيع زوجته الأولى مع زواجه الثاني آتٍ لا محالة،  وأنه لابد في كل معركة من خسائر!!

3- مع الشعب

وهل أحدثكم عن الأخ الهمام، الذي بنى أربع طوابق لأربع زوجات، يمضي سحابة أيامه في الصعود والنزول إلى مخادعهن!!

أم هل أحدثكم عن حكاية المثقف التقدمي، الإنساني جدا الذي طلق زوجته، ولهف كل حقوقها وأودعها في رصيد الزوجة الثانية، الفتية الصغيرة ولا تسْأل عن العلبة السوداء لمعارفه الأنثوية السّرية خارج معسكر الزواج.!!

> 4- مع الشعب

“لمياء”، لم تتجاوز سن العشرين، تجلس قرب الجامع الكبير،  رفقة صغيرها، وتكمن  حادثة الإصطدام المروعة في حياتها في تنكرها للولاية الأبوية وزواجها بالشاب المهذب “يحيى”  دون حضور أبويها… وسقط القناع عن القناع عن القناع، “فيحيى” لم يكن موظفا ولا محترما،  بل لصا ومن النوع الشرس…

أكل ذخيرتها المتواضعة من أساور وخواتم ذهبية،  و”تحويشة العمر” من عمل المصانع،  ونَفَّخَ بطنها وانسل هاربا، وعادَتْ هي  إلى العُشّ الأبوي،  فما استقبلتها غيرُ  الأبواب الموصدة،  ولازمةٌ قاسية تحت عنوان :  (سيري فين كنتِ)..

بدون تعليق… ولكن…

كما يستعمل الإداريون مصطلح ” الشطط  في استعمال السطلة”، نسمح لأنفسنا باستخدام المصطلح عينه لنقول من داخل الوسط  المغربي،  وطبقا لشهادات  ضحايا (رجال و نساء)، و قانونين  نزيهين فإن الشطط في التعامل مع  النصوص  القانونية، تجاوزًا أو تحويرًا وتدليسًا لازال ساريًا، كان الأمرمتعلقا بالطلاق، أو الولاية، أو التعدد،  أو النفقة، أو قضايا أخرى تخص بنود المدونة. وقد (استوقفنا غَيْض من فيض حكايات كان فيها البغيْ والاستبداد سيدا الممارسات الزوجية.

لقد فهم الرجل المغربي تعديلات المدونة على أنها مساواة في اتجاه الإستيلاء على أجرة الزوجة ولو بغير المعروف، وفي اتجاه نبذ الزواج، هروبًا من تبعاته الباهضة بالمدونة. وفي المقابل تعددت الزيجات غير الشرعية، ناهيك عن الخروقات العالية المهارةِ في التدليس والخداع، والإلتفاف على النصوص القانونية زواجا وطلاقا وتعددا، مما لا يسع المجال لذكره. ولمن أراد التفاصيل تكفيه ردهات وكواليس المحاكم جوابا كافيا.

وإذا كانت المدونة قد استطاعت لجْم الكثير من ألوان استهوان النساء من طرف الرجال (ونقصد منهم الاستبداديين) على المستوى القانوني، فعلى مستوى الواقع، استفحلت مظاهر الصدام و العنف لإجبار المرأة على التخلي عن الحق في الحفاظ على الزواج و على المسكن و على اقتسام ثمرة ضنكهما و على قبول التعدد، و زادت جرعة الإذلال و العدوان وراء الحيطان، حيث تتعسر الإحاطة بحقل العبوات الناسفة. بل تعدى اضطهاد المرأة و الانتقام من المدونة في شخصها، حد حرمانها من لحيظات التساكن التي أقرها الشرع الحكيم، بهجران البيت أو التلويح بالحصار الاقتصادي و الجسدي.

و طغت سلوكات عدوانية قوامها الانتقام بشتى الأصناف، استهدفت المرأة من خلال العدو الأكبر “المساواة”، حتى النساء الأميات اللواتي لا يفقهن شيئا في سيناريوهات الاتفاقيات الدولية أصبحن عرضة للامتهان حقدا على لعنة المساواة وهكذا وعلى نفس الإيقاع، يردد الكثير من الرجال الناقمين على المدونة :  (بيغيتو المساواة، إيـوا شدو.. اللي بغا العسل يصبر لقريص النحل)!!…

ملحوظة : دون أن ننسى نصيب النساء في زرع الكثير من هذه الألغام أو التعجيل بفرقعتها وتلك حكاية أخرى لا يسمح “العيد النسائي” بذكرها في هذا المقام.

فما العمــل؟

لا الطاعة أفلحت في لجم الشطط والبغي الذكوري، ولا المساواة قلصت منسوب أزمة التعايش داخل الأسرة المغربية،  فهل يمكن اختزال الإشكالية في بُطء المساطر مثلا كما جاء على لسان البعض، وتعثر التنزيل، أم يتعلق الأمر تحديدا بالذهنيات والعقليات المستقبلة للتنزيل ؟؟

إن الحكايات التي أدرجناها سابقا جمعت بين العاطل و العامل، والمثقف والملتزم، فما وجدنا فروقا تذكر في إنتاج العنف والبغي بين العاطل و العامل، والمثقف الإسلامي والمثقف التقدمي، فالعينات المذكورة اعتبرت المرأة مجرد متاع، يفقد صلاحيته بتجاوز سن معين، و لنزوات عابرة لا علاقة لها بالضرورة الشرعية، كما تعسفت في فهم الولاية في  الاتجاهات الثلاث، زوجة وزوجا وآباء، كان المفروض فيهم أن يطبقوا قوله سبحانه وتعالى : {واصْفح الصفحَ الجميل}.

إن من شأن هذاالبغي وهذه المظالم المحلية في جميع الاتجاهات ومن كلا الجنسين، وفي غياب وسط أبوي راشد، يحضن الإنزلاقات بالحسنى، فتح الباب على مصراعيه (لمدونة دولية )، تجر آذان المغاربة وتعلمهم  حسن الخلق ” العلماني طبعا”، وبكلفة باهضة!!.

الأسرة المسلمة والمد التسونامي الأمريكي المتربص

من يتابع الرسم البياني لجملة الخطابات التي صدرت في الفترة الأخيرة عن الرئيس الأمريكي جورج بوش، وكذا طاقم الإدارة الأمريكية السياسي والإعلامي التابع، ونخص بالذكر في جملة  الإعلاميين  التابعين للبيت الأبيض، الصحفي الأمريكي البارز، ” توماس فريدمان”(1).

نقول أن من يتابع الرسم البياني لهذه الخطابات،  سيلاحظ التركيز المستمر على قضية المرأة وحقوقها في العالم العربي الإسلامي، كمفتاح للخروج من مأزق التخلف والجمود واللحاق بركب الحداثة.

وبالموازاة مع هذا الخطاب التحرشي، هناك ديباجة ومدخل أولي لهذه الخطابات حول حقوق المرأة والإنسان العربي عموما، خلاصتها الدعوة لتغيير المناهج العربية الإسلامية العتيقة، وتنظيفها من الأفكار الجامدة والسلبية التي تتناقض وروح الحرية والحداثة  والديموقراطية، ويقصد بالأفكار و الممارسات  العتيقة، تلك التي تستمد وجودها من العقيدة الإسلامية!!.

وقد رأينا كيف رفع الوفد الفرنسي في مؤتمر بكين “يافطة” تحت عنوان : “الإسلام عدو المرأة”، دون أن نغفـل السهام المباشرة الموجهة للدين من طرف ” اتفاقية مناهضة كل أشكال التمييز ضد المرأة “.

وبالتالي فيمكن بدون كبير عناء،  أن يلحظ المرء كيف تستنسخ الخطابات الأمريكية، مقتضيات الإتفاقيات الدولية حول المرأة، وتنتهج نفس الإجراء الحشري، فيما يتعلق بخصوصيات الدول الموقعة على هذه الإتفاقيات، وتحفظاتها على بنودها المتعارضة مع مبادئها وقيمها الحضارية،  حيث تلوح بعصا العقوبات ضد الدول الممانعة، باعتبار أن سلوكاتها تشكل تمييزا ضد المرأة، غير مقبول في منظومة الحقوق الكونية، وعرقلة لمسيرة الحرية والإنعتاق التي تقود قافلتها مع مطلع الألفية الثالثة راعية الحرية الجديدة أمريكا.

وهي مناوشات لا تستهدف المرأة المسلمة فحسب، بل الخلية الأسرية المسلمة برمتها، من خلال العض على مسألة حقوق الذكور والإناث من المراهقين وكذا المثليين في سلوكات اجتماعية وثقافية حرة وعلى رأسها السلوكات الجنسية، بعيدا عن عصا الرقابة، أكانت بسبب العرق أو الجنس أو الدين، ويقصد بالدين الدين الإسلامي طبعا!!  وباعتماد قيمة مقدسة تحت عنوان المساواة، لتمرير هذه الإنحرافات وهذه البهائمية.

والمطلع بالمناسبة على مخلفات هذه المساواة بديار الغرب، سيصنف حتما هذه المساواة في عداد أسلحة الدمار الشامل، لما رتبت من دمار في الأسر الغربية، وتفكيك لها، وعنوسة ووحدة قاتلة للنساء المسترجلات، والباحثات عن الحرية المتطرفة…

يقول” أوليفيه بانشار”(2) في كتابه : “حب، كذب، ومساواة بين الجنسين”، وهو بالمناسبة، كتاب ممتاز في رصد ضريبة الحرية والمساواة على حياة المرأة أن: ” النساء لدى استجوابهن من طرف الصحفية (جانكروسانج) حول موضوع وحدة النساء، كن غامضات في أجوبتهن، كما كن فخورات بوضعيتهن كنساء وحيدات في البداية، لكن ما إن أنهت الصحفية حصة الإستجواب، حتى بدأت في سماع شكاويهن حول وحدتهن القاتلة، آه لو تعرفين كم أنا تعيسة، تقول إحداهن!.

وإذا ما علمنا أن الحرب الجديدة التي ستقود زمامها أمريكا وإسرائيل من وراء الستار، ومعهما أوربا التي تم التقارب معها في الأيام الأخيرة، هي حرب ديبلوماسية أو كما قالت وزيرة الخارجية كونداليزا رايس “حرب للأفكار” وتعني بها أفكار الخير ضد أفكار الشر.

وإذا كان العرب والمسلمون يتعللون دوما بضعف إمكانياتهم العسكرية والاقتصادية، واتساع الهوة بينهم وبين القوى الاستكبارية، فإن الحرب الجديدة لا تتطلب مدافع ولا أساطيل عملاقة، ولا طائرات شبح، ولا اعتمادا مفتوحا من البنك الدولي… إنها حرب قوامها الغارات الفكرية، ومقارعة الأدمغة بالأدمغة.

وإذا كان الخصم، (ونعني به الإدارة الأمريكية والغربية، لا شعوبهما)، يتوفر على بنية تحتية إعلامية جد متطورة لتسويق منتوجه، تدعمها آلة سياسية وديبلوماسية، نافذة تعتمد الترهيب والترغيب لترسيخ القناعة بأفضلية البضاعة الغربية، وعلى رأسها الأمريكية، فإن الشعوب الإسلامية لها السبق التاريخي في  تبني هذا الأسلوب الحضاري، بتفويض رباني ونبوي، قال سبحانه : {أبلغكم رسالات ربي وأنا لكم ناصح أمين}(الأعراف :68).

وقال سبحانه : {فأعرض عنهم وعظهم وقل لهم في أنفسهم قولا بليغا}(النساء :63).

وقال سبحانه : {هذا بلاغ للناس ولينذروا به}(إبراهيم :52).

و قال عليه الصلاة والسلام : >بلغوا عني ولو آية<، وحث على تعليم الناس الخير.

وهو تكليف رباني نبوي،  الحرب فيه سلمية الأغراض والنوايا، ولا تستهدف غازا طبيعيا ولا آبار بترول ولا مناجم ذهـــــب،  قال سبحانه وتعالى : {وقولوا للناس حسنا” هذا هو الشعار والجزاء ” لا نريد منكم جزاء ولا شكورا إنا نخاف من ربنا يوما عبوسا قمطريرا}.

وبالتالي، فإن سلعتنا جاهزة لمعركة الغزو الحضاري الجديدة الحلة، القديمة الطبعة، وليس ينقص العرب والمسلمين لكسبها غير العزم والحزم.

قال الشاعر الحكيم طاغور: سأل الممكن المستحيل، أين تقيم فأجابه، في أحلام العاجزين “.

لقد أودعنا منذ زمن بعيد جوهرةَ الإسلام التي أورثَنا إياها بطيب العرق وشريف الدماء، سيدُ الأنام عليه السلام وصحبُه، فأودعْنا الجوهرة صندوقًا مليئا بالظُّلمة والرطوبة والغبار، وحَبَسْنا عنها الهواء والدنيا والناس الحيارى، واكتفيْنا بالتفاخر ببريقها أمام الآخرين، دون أن تكون لنا يدٌ في صُنع ذلك البريق، ويتعين علينا الآن على عجل، أن نفتح الصندوق العجيب، ونزيح عن جوهرتنا أكْوام الغُبار والأساطير، ودموع الدراويش والمعتزلة ودماءَ الخوارج السفاكين، باسم الدين،  ونُلمِّعها كما كانت، ثم نقدمها بلسما لجراحات هذه الكرة الأرضية المرتهنة لإرهاب وخداع المستكبرين على كل الواجهات،  وفي هذا السياق يكفينا أن نفتح كتاب هذه الجوهرة ونضغط على زر “الحرية” التي يريد أن يعلمنا أبجديتَها من يدوسونها قيامًا وقعودا وعلى جنوبهم، وسنقرأ في صفحة الحرية ما لا عينٌ قرأت، وما لا خطر على قلب بشر(3).

ولأن العيد عيد المرأة كما أرادوه لها واختاروه، لأنهم يعرفون جيدا بأن كل أيامها عدا هذا اليوم، هي جحيم متواصل من تحت رأسهم فكان لابد أن يهيؤوا لها عرس الذئب هذا لتنسى في غمرة العيد كما الحسناء” سنهويت”  بؤسها الذي يتواصل بعد أن تدق الساعة الثانية عشرة ليلا، نقول بمناسبة (هذا العيد) نشرك قرائنا فيما أبهرنا من الأثر النبوي،  المؤرِّخ للحرية الراشدة غير المسبوقة ” جاءت امرأة إلى رسول الله  فوقفت بين المسلمين وقالت: زوجني يا رسول الله، ولم يعترض رسول الله  وإنما سأل المسلمين بشكل طبيعي: هل هنا من يتزوجها “!!!….

وعودا على بدء، فإن المظالم التي ما فـتئت تتجدد في كنف أسرنا المغربية و الإسلامية على وجه العموم، وتجري بها حثيثا إلى مصير الأسر الغربية الآيلة إلى الإنقراض، هي بسبب جهل عوامنا بدينهم لا كسبا وتلقينا، فالجميع يقرأون القرآن وقد يحفظوه عن ظهر قلب بنسب متفاوتة، بل استيعابا وتمثلا ثم حركية ورسالية، ولن يتأتى ذلك إلا بهمة من نخبنا الرسالية والعاملة في حقل الدعوة.

قال رسول الله  : >لو تعلقت همة أحدكم في الثريا لنالها<.

وختاما، قال السياسي الإغريقي كليس لابنه الصغير:

يا بني أنت أقوى شخص في بلاد الإغريق فقال الغلام: وكيف ذلك، فقال السياسي: أنا أحكم أثينا والإغريق قاطبة، وأمك تحكمني وأنت تحكم أمك ”

والواقع يثبت أن المرأة تحكم العالم من وراء قفا، وبقيادة قوى الشر، التي تريدها أن تحتل الصدارة، لكن كدُمية غاوية، وكمسترجلة تعيسة في الوقت الذي يريدها الإسلام،  أن تكون رفيقة أخيها الرجل هدًى ورحمةً للعالمين، لتتحقق لهما معا الولاية والتمكين الرباني.

قال سبحانه وتعالى: {قل إن هُدَى الله هو الهُدى، ولئن اتبعت أهوائهم بعد الذي جاءك من العِلْم مالك من الله من وليِّ ولا نصير}.

———–

1- انظر جريدة الشرق الأوسط ومقالات الكاتب الصحفي توماس فريدمان حول المرأة العربية، في سياق تحليلاته لأزمة التخلف العربي الإسلامي.

2- amour mensonge et égalité des sexes/ ORA Editions/ page 276 OLIVIER PINCHARD

أنظر أيضا للاستئناس، حول المساواة، الكتاب الهام ل “أرزولا شوي”  : أصل الفروق بين الجنسين/ دار التنوير للطباعة والنشر.

3- تأملات إسلامية حول المرأة للسيد محمد حسين فضل الله  مطبعة دار الملاك ص : 26 إلى 33.

ذة.فوزية حجبي

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *