…اتقوا الله في القوارير


إن المسلمين اليوم، أكثر من أي وقت مضى، في حاجة إلى تصحيح مفهوم الإِثْنِيَّةِ في الدين أي دين النساء ودين الرجال، فالله تعالى عندما يقول :{ بَلَى مَن أسْلَمَ وجْهَهُ لله وهُو مُحْسن فله أجره عند ربه ولا خَوْفٌ عليهم ولا هم يحزنون}(البقرة) يقول ذلك للرجل والمرأة، فكل رجل أسلم إسلاما حقيقيا رفع الله قدره في الدنيا والآخرة، وكذلك كل امرأة أسلمت وجهها لله تعالى وأطاعت ربها فيما أمرها الله تعالى به كانت من الصالحات المرفوعة الدرجات عند الله تعالى.

بل نجد أن القرآن الكريم ينص على الأنثى صراحة في قوله تعالى : {مَنْ عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون}(النحل) وفي قوله تعالى : {إن المسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات والقانتين والقانتات والصادقين والصادقات والصابرين والصابرات والخاشعين والخاشعات والمتصدقين والمتصدقات والصائمين والصائمات والحافظين فروجهم والحافظات والذاكرين الله كثيرا والذاكرات أعد الله لهم مغفرة  وأجرا عظيما}(الأحزاب).

بل أكثر من ذلك نجد أن الله تعالى لم يميزها عن الرجل في تحمل أعباء الجهاد والهجرة والإيذاء في سبيل التمسك بدين الله تعالى، وحفظ لها الجهد وأنالها عليه الأجر كما أعطى ذلك للرجل، {فاسْتَجَاب لهم ربهم أني لا أضيعُ عمل عامل منكم من ذكر أو أنثى بعضكم من بعض فالذين هاجروا وأُخرجوا من ديارهم وأُوذوا في سبيلي وقاتلوا وقُتِلوا لأكفرن عنهم سيآتهم ولأدخلنهم جنات تجري من تحتها الأنهار ثوابا من عند الله والله عنده حسن الثواب}(آل عمران).

فكلمة {أوذوا في سبيلي}، تدل على الرجل والمرأة، كما أن كلمة : {وقاتلوا وقُتلوا} تدل على الرجل والمرأة أيضا، معنى هذا أن هذا الدين أمانة في عنق الرجل والمرأة على السواء، وقد أوذيت المرأة كما أوذي الرجل على حَدٍّ سواء بمكة يوم تكالب الشرك على الإيمان، وتنادى المشركون لفتنة المسلمين والمسلمات قصد صدهم عن دينهم، فضرب عمر بن الخطاب ـ قبل أن يسلم ـ أخته فاطمة بنت الخطاب، وكان يعذّب جارية بني مؤمَّل حتى يتعب فيجلس للاستراحة ويقول لها : إني أعتذر إليك، إني لم أتركك إلا مَلاَلَةً.

فتقول  : كذلك فعل الله بك.

بل أكثر من ذلك نجد المرأة لم تعذَّبْ وتؤذ في سبيل الله فقط، بل هي أول من استشهد في سبيل الله تعالى، فقد جاء أبو جهل إلى سمية بنت خياط رضي الله عنها، فاتهمها بأنها أسلمتْ عشقا لمحمدلأنه جميل، فأغلظت له القول وتحدَّتْه حتى فقد صوابه فطعنها بحربة في مكان العفة وملمس الشرف، فجادت بنفسها في سبيل الله تعالى لتبقى قدوةً لكل مؤمنة تفدي بروحها دينها، وتحققُ وعد الله تعالى الذي أخبر به الرسول الكريم عندما قال لآل ياسر : >صبرا آل ياسر فإن موعدكم الجنة< بليقول لهم : >اللهم اغفر لآل ياسر، وقد فعلت<.

بل نجد أن أول من بُشر بالجنة امرأة، وهي خديجة رضي الله عنها، فقد أتى جبريل النبي  فقال : >يا رسول الله، هذه خديجة قد أتتك بإناء فيه طعام، فإذا أتتك فاقرأ عليها السلام من ربها عز وجل ومنّي، وبشرها ببيت في الجنة من قصب لا صخب فيه ولا نصب<.

ودافعت أم عمارة هي وزوجها وأولادها عن رسول الله في أحد، وحنين، وعندما أثنى الرسول  على هذه الأسرة المجاهدة الحامية لرسول الله ، قالت له: يا رسول الله ادع الله لنا أن يجعلنا رفقاءك  في الجنة، فقال  : >اللهم اجعلهم رفقائي في الجنة<.

وقاتلت أسماء بنت يزيد بن السكن مع المجاهدين في وقعة اليرموك، فقتلت تسعة من العلوج، وكذلك هند بنت عتبة.

فالمرأة والرجل لا فرق بينهما في الانتساب للإسلام، ولا في الأجر على التدين به، ولا في الدفاع عن الدين وتحمل مسؤولياته كما يتحمل الرجل، إلا ما خصها الله تعالى به من الحمل والإرضاع وحضانة الأسرة والأولاد، وذلك أعظم شرف لها، فهي منشئة الأجيال، وصانعة الرجال، ومُغيِّرة الأنفس، ومحولة التاريخ إن هي فهمت رسالتها حقا.

وأعظم آية تسوي بين الرجل والمرأة في غير خصوصيتها هي قوله تعالى : {والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يامرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويقيمون الصلاة ويوتون الزكاة ويطيعون الله ورسوله أولئك سيرحمهم الله إن الله عزيز حكيم وعد الله المومنين والمومنات جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ومساكن طيبة في جنات عدن ورضوان من الله أكبر ذلك هو الفوز العظيم}.

فما الذي أخر المسلمين حتى فرضوا على المرأة الحصار داخل البيوت، والحصار داخل الأمية الفكرية، والحصار داخل النقصان والظنون والشكوك والدونية، إنه الجهل، ولا شيء غير الجهل، حتى أصبح الرجل والمرأة بجهلهما وتخلفهما يلصقان التهمة بالإسلام، أي من رآهما متأخرين يحكم على الإسلام بالتأخر والتخلف والجمود، وأن الإسلام هو السبب في التأخر، مع أن الحقيقة هي أن الابتعاد عن الإسلام هو الذي سبب التأخر، لأن الإسلام في الحقيقة فوق مستوى التحضر المادي الذي يبهر العيون في هذه الأيام، فالإسلام حضارة مادية وأخلاقية، حضارة جسدية وروحية، حضارة فكرية وعلمية، ولكن المصيبة جاءت من عدم فهم الإسلام حق الفهم، وتطبيقه حق التطبيق.

فإذا كان مازال يوجد في عصرنا اليوم وفي زمننا هذا من يدَّعي أن المرأة لا يجوز لها أن تشارك في الانتخاب، ولا يجوز لها أن ترشح نفسها للولاية التشريعية، فيحكم عليها بالمحاصرة السياسية والاجتماعية ويجعلها غير أهل للمشاركة في إعطاء الرأي والمشورة. إذا كان هذا واقعا في عدة دول إسلامية، فالأدهى من ذلك أن تتولى بعض الهيئات العلمية الفتوى بتحريم السياقة على المرأة لسيارتها الخاصة، ولا يحرمون اختلاءها بسائق أجنبي. والأخطر من ذلك كله أن نجد بيننا في مجتمعنا من يروج لعوْرِيَّة صوت المرأة، أي أن صوتها عورة، فهؤلاء لم يكتفوا بتكفينها من الرأس للقدم، ولكنهم أرادوا أن يخرسوها، فلا يُسْمَع لها صوت لا في قضاء الحاجات، ولا في المجالس العلمية، بل حتى في تلاوة القرآن وقراءته، مع العلم أن المرأة في الجاهلية كانت تنشد الأشعار في الأسواق كالخنساء وهند، فهل كانت عائشة رضي الله عنها تفتي الصحابة الذين يسألونها بالإشارة؟ وهل كانت تخطب يوم كانت تخطب بالإشارة؟ وهل كانت أم عمارة رضي الله عنها تكلم رسول الله  يوم أحد بالإشارة؟ وهل النساء اللواتي جئن يسألن رسول الله  كن يسألنه بالإشارة؟ وهل المرأة التي جاءت تجادل رسول الله  في الظِّهار وترفع شكواها إلى الله تعالى كانت تجادل وتشتكي بالإشارة؟ {قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها وتشتكي إلى الله، والله يسمع تحاوركما}.

بل ثبت أن النساء اجتمعن وطلبن من الرسول  أن يخصص لهن يوما يجتمع بهن ليفقههن في الدين كما يفعل مع الرجال، وفعل. فهل كان التحاور بينه وبينهن بالإشارة؟

وثبت أن النساء اجتمعن وأرسلن أسماء بنت يزيد بن السكن رضي الله عنها للرسول لتسأله بالنيابة عن النساء لماذا حُرِمْن من الجهاد والجمعات وشهود الجنائز؟ فقالت هكذا باللسان الفصيح : “يا رسول الله إني رسولُ من ورائي من جماعة نساء المسلمين، كلّهن يقلن بقولي، وهُنَ على مثل رأيي، إن الله بعثك للرجال والنساء، فآمنَّا بك واتبعْناك، ونحن معاشر النساء مقصوراتٌ مخدوراتٌ، قواعدُ بيوت، ومواضع شهوات الرجال، وحاملاتُ أولادهم، وإن الرجال فُضلوا علينا بالجمعات وشهود الجنائز والجهاد، وإذا خرجوا للجهاد حفِظْنا لهم أموالهم وربينا أولادهم، أفنشاركُهُمْ في الأجر يا رسول الله؟

فالتفت الرسول إلى أصحابه فقال : هل سمعتم مقالة امرأة أحْسَن سؤالاً عن دينها من هذه؟”.

أكانت تتكلم هذه بالإشارة أمام رسول الله والصحابة؟ أقال لها رسول الله : اسْكُتي. إنه أُعجب بفصاحتها وجُرْأتها، ألا يؤخذ من هذا أن المرأة يجوز لها أن تُنتخب لتتكلم باسم النساء مدافعة عن حقوقهن؟

ثم أجابها  : >انصرفي يا أسماء وأعْلِمِي من ورَاءَك من النساء أن حُسن تبعُّل المرأة لزوجها، وطَلَبَها لمرضاته، واتباعها لموافقته يعادل كل ما ذكرت للرجال<.

ففرحت وأفرحت النساء.

ثم قصة عمر مع خولة بنت ثعلبة معروفة، حيث قال له : اتق الله، فقد كنْت عميراً، ثم أصبحت عُمَر، ثم أصبحت أمير المؤمنين، فلا يغرنك ذلك في نفسك، وقصته أيضا مع المرأة التي عارضته في المسجد، حيث قالت له : كيف تحدِّد قَدْر الصداق، والله قال : {وإنْ آتَيْتُمْ إحْدَاهُنَّ قِنْطَاراً فلاَ تَاخُذُوا مِنْهُ شَيْئا} فقال : أصابت امرأة وأخطأ عمر، ثم أكثر من ذلك أن الله تعالى لم يقل للمرأة لا تتكلمي، ولكن قال لها: {فلا تَخْضَعْن بالقول فيطمع الذي في قلبه مرضٌ وقُلن قولا معروفا}(الأحزاب).

فقد نهاهن عن الخضوع بالقول المطمع في الفاحشة، وأمرهنَّ بالقول المعروف. والقول المعروف هو : العلم، والدعوة، والدفاعُ عن حقوق المرأة، بعد تبصيرها بواجباتها والسؤالُ عن العلم، والنهيُ عن المنكر، إلى غير ذلك من مجالات القول.

فماذا أصاب المسلمين من سوء الفهم للإسلام حتى أصبحوا الآن مُعَرَّضين بالرغم عنهم لتطبيق الديمقراطية على هوى أصحاب الأغراض الخسيسة، مع أن الله أمر بالشورى، وعندما أدبرْنا عنها سلط علينا من يؤدّبنا لنرجع إلى ربّنا.

إن الله يغار على دينه فإما أن نُطبِّقه، وإما يُسلّط الله علينا من يُهيننا لنفهم ديننا حق الفهم ونعيش بديننا العيش الكريم. فاللهم نور قلوب علمائنا حتى يقوموا بواجبهم في تنوير القلوب والعقول، ونور قلوب شعوبنا حتى تفهم الحق وتتبعه بصدق وإخلاص.

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *