إشكالية ثقافة الطفل


في خضم ثقافة العنف التي تجتاح العالم، وفي معترك استعراض القوة بكل أشكالها ومظاهرها،  يحق لنا أن نتساءل عن طبيعة الثقافة التي يتشربها طفلنا، صباح مساء. هذه الثقافة التي تمارس تأثيرا كبيرا في تشكيل شخصيته، واستكمال نموه وتطوره، وتعليمه كيفية التعامل مع مختلف القضايا التي تهمه وتهم مجتمعه وأمته. كما يحق لنا أن نتساءل عن التشوهات التي تلحق ببراءة الأطفال من جرائها.

يستقي طفلنا ثقافته من قناتين اثنتين رئيسيتين :

– المرويات الشفوية التي يستقيها من محيطه وبيئته، محيط الأسرة والمدرسة والحي وغير ذلك. ومنها يكتسب أولى المعارف والتجارب والمهارات. والأم أول إنسان يتأثر به في محيطه. والمفروض أن دورها لا يقف عند تقديم الحب والرعاية، وإنما يتمثل في تشكيل شخصية الطفل ثقافيا، ابتداء من تنمية قدراته اللغوية إلى إشباع نهمه إلى الاكتشاف والمعرفة بوسائل شتى كالخرافة والحكاية والقصة والنشيد والرسم وغير ذلك. وفي زخم معاناة المرأة الأم وضغوطات العمل والوضع الاجتماعي والوضع الاقتصادي، ألا تسلمهم إلى الفضائيات ببرامجها البعيدة عن مفاهيمنا وقيمنا وعاداتنا أو إلى اللعب في الشوارع؟؟، أليس اهتمامات الأم الأخرى (كيفما كانت إيجابية أم سلبية) تفقدها الوقت الكافي لإشباع توقه إلى الاكتساب المعرفي والثقافي فتنخرط في معترك ممارسات القمع والصد. أليس الأب، الجدان، الإخوة الكبار، كل العائلة أيضا، لم يعد لهم وقت لأطفالهم، وفقدوا بالتالي قنوات الاتصال بهم؟؟ ألم تنعدم ثقافة الحوار والإقناع بينهم؟؟. أليست الفضائيات والألعاب الإلكترونية والإنترنيت وغيرها من وسائل التكنولوجيا غير المراقبة أصبحت عوامل هدامة لشخصية طفلنا بدل أن تكون عوامل نهضة ورقي؟؟ ألم نلمس في طفلنا شخصية مهتزة لا منتمية عنيفة من جراء تسرب قيم ومثل غريبة عنا؟؟

– الكتاب : لا نشك في غياب فعل “اقرأ” في أمة محمد ، وبالتالي غياب الكتاب بوصفه قيمة معرفية وثقافية ضرورية للإنسان، إلا من رحمهم الله من الرجال والنساء والأطفال الذين لم يفرطوا فيه. ولذلك لا أقصد الكتاب بصفة عامة، وإنما أقصد الكتاب المدرسي، لأنه ينقل جملة من المعارف والعناصر الحضارية والثقافية لأطفالنا. من هنا تكمن أهمية بسط بعض التساؤلات حول واقع الكتاب المدرسي وشروطه العلمية والمعرفية والثقافية: هل يستجيب الكتاب المدرسي لواقع الطفل الاجتماعي ويفتح آفاق ثقافة تنبذ الفكر الخرافي والسلبي والاتكالي وتشجع الفكر العلمي القائم على التحليل والبحث والإبداع؟؟. هل محتواه وأساليبه ولغته تراعي كل مرحلة من مراحل الطفولة، وتشجع الطفل على القراءة والمطالعة وتوسيع قدرته على التخيل والإبداع؟؟. هل وضعية المعلم الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والأخلاقية تساهم في عملية التواصل الثقافي السليم بين الطفل والكتاب والعالم المدرسي برمته؟؟.

كثيرة هي التساؤلات التي تقض مضاجع كل غيور على مستقبل هذه الأمة، وتصبح إشكالية عويصة تحتاج إلى دراسات وبحوث لتقديم حل مناسب لها، يضمن مساعدة الطفل على التشبث بهويته الدينية والوطنية، وخلق طموح المشاركة في صناعة مستقبله ومستقبل أمته في نفسه، كما تحتاج إلى بناء ثقافة قائمة على دلالات “اقرأ” وتداعياتها وعلاقاتها العلمية والمعرفية والإبداعية، منضبطة بضوابط الإيمان بالله تعالى.

دة.أم سلمى

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *