أي عـلـو نـريـد؟


إن من يقرأ قصص الأمم الغابرة في القرآن الكريم ويقرأ التاريخ ويقرأ الواقع يجد أن العلو والفساد قرينان لا يفترقان، وعاقبة العالين والمفسدين الهلاك في الدنيا والجحيم في الآخرة.

فهذه سورة القصص في عمومها تصب في هذا الموضوع : افتُتحت بقصة فرعون الذي علا وأفسد : {إن فرعون علا في الأرض وجعل أهلها شيعا يستضعف طائفة منهم يذبح أبناءهم ويستحي نساءهم إنه كان من المفسدين} ثم ذكرت السورة بعد تمام القصة عاقبته : {واستكبر هو وجنوده فنبذناهم في اليم، فانظر كيف كان عاقبة الظالمين} ثم أعقبتها بذكر قصة قارون الذي علا فخرج على قومه في زينته، فخسف الله به وبداره الأرض.

ثم تصدر السورة حكم الله الأزلي : {تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علوا في الأرض ولا فسادا والعاقبة للمتقين}.

فإذا انتقلنا إلى سورة الإسراء، يخبرنا الله سبحانه وتعالى أن بني إسرائيل سيفسدون في الأرض مرتين ويعلون علوا كبيرا ثم ستسوء وجوههم في العلو الثاني على يد عباد لله {أولي بأس شديد}.

وإذا نظرنا إلى واقعنا نجد أعداء الله طغوا وتجبروا وأفسدوا وبالغوا في الفساد، نساء تنتهك حرماتهن في أبو غريب،ومساجد تتحول إلى أوكار للخمور والفجور، وكلا م الله يداس تحت أقدام الكفرة الفجرة، حتما لقد اقتربت نهايتهم، سيغرقون في مستنقع جرائمهم كما غرق فرعون في اليم، {ولا تحسبن الله غافلا عما يعمل الظالمون} بوش الصغير يعترف لأول مرة بالهزيمة النكراء التي طالت جنوده الأنجاس بعد الهجوم المبارك على قاعدتهم العسكرية في الموصل.  لقد لاحت في الأفق لآلئ النصر، وكيف لا ينصر الله من يدافع عن الدين والوطن والشرف والكرامة. وبدأ نجم أمريكا في الأفول.

فتحية لأبطالنا الأفذاذ، إنكم والله هامات على رؤوسنا وقلوبنا معكم. والله لا يضيع أجر المحسنين.

والعلو ليس كله مذموما، نعم فالآيةواضحة {تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علوا في الأرض ولا فسادا}.

ولكن العلو قد يأتي لمن لا يريده. وقد يأتي لمن لا يفسد، لقد علا ذو القرنين فحكم الأرض كلها وملأها حقا وعدلا، علا ولكنه كان خاضعا لله قانتا، ساجدا لله راكعا، ولم يُسجد له أحدا ولم يُرَكِّعْ له أحدا، بل أَسْجَد الناس لله وركعهم لله. وكذا سيدنا سليمان عليه السلام فقد عُلم منطق الطير وخدمته الجن والشياطين والطيور والنمل، بل ونقل له عرش ملكة سبأ من اليمن حتى فلسطين قبل  رمشة عين. ولكنه خضع لله وشكره وتواضع لله فرفعه، فهذا العلو مطلوب واليد العليا خير من اليد السفلى.

نريد علوا في القيم، نريد علوا في الهمم، نريد علوا في الاقتصاد، نريد علوا في التكنولوجيا، هم يريدون علوا من أجل العلو والفساد، ونحن نريد علوا تعلو معه كلمة الله، يعلو الحق ويُدْحَرُ الكفر. نريد علوا تعلو معه النفوس عن سفاسف الأمورلتشتغل بمعاليها، تعلو عن حاجات النفس بطنها وفرجها إلا ما هو طيب منها لتشتغل بحاجات الروح في تعلقها بربها، تعلو عن الطين لترفرف في السماء، تمشي على الأرض هونا ولا تمشي مرحا. تقول كما قال سيدنا سليمان عليه السلام {رب أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمت علي} ولا تقول كما قال قارون : {إنما أوتيته على علم عندي}.

والمؤمن إن علا فبفضل الله، والمؤمن إن علا يعلم أن الله هو العلي والمؤمن إن علا لا يعلو على إخوانه في الإنسانية.

فمن كان يبتغي العلو في ذيل أمريكا، فإنها آيلة للسقوط كما سقط برجها العالمي، ما طار طير وارتفع إلا وكما طار وقع. ومن كان يبتغي العلو الحقيقي فعليه بحبل الله المتين ونوره المبين كتاب الله الكريم، هو المنقذ من الهلاك والهادي إلى النجاة {في جنة عالية قطوفها دانية}.

فاطمة الفتوحي

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *