6- في الأدب والثقافة


“أخشى أن تكون بدعة فصل الدين عن الدولة تسربت أيضا إلى الأدب، وزلة إبعاد الدين عن القومية شملت حتى الشعر، ولذلك يغض كتابنا نظرهم عن هذه الأعمال الأدبية الرائعة التي تمتُّ إلى الدين ـ والدين الاسلامي بالخصوص ـ بصلة أو سبب.

وهذا بالإضافة إلى  تزهيد بعض إخواننا السلفيين في هذه القصائد لما تتضمنه من مبالغة غير جائزة شرعا في بعض المواضع.

تلك المبالغة التي نحملها نحن على  توخي البلاغة كما هي عادة الشعراء لا على مخالفة العقيدة، أو هي هفوة على كل حال كان من الممكن التجاوز عنها لقاء ما تطفح به هذه القصائد من معان سامية ومقاصد شريفة، حتى لا يقضي عليها عاملاَ الإفراط والتفريط”.

هذا ما كتبه العلامة الراحل الفقيه المجاهد الأستاذ عبد الله كنون رحمه الله في كتابه الشيق “أدب الفقهاء” الذي صدر منذ ما يقرب من عقدين من الزمن. لقد ضَمَّن رحمه الله هذا الكتاب نصوصا شعرية رائعة  بينت أن أدب الفقهاء ليس بعيدا عن الأدبية، ولا هو بمعزل عن الشعرية، ولا هو بمتعارض مع ما يقتضيه الإبداع الأدبي من تطور ومسايرة للعصر ومتطلباته.

لقد بين القول السابق أن شرائح اجتماعية تُحسب على الأدب والثقافة تناهض الدين باسم الثقافة وتحارب مبادئ الإسلام باسم الإبداع الأدبي، وكأن الأدب برئ من الدين والدين بريء من الأدب، مع أن احتضان عقيدة الإسلام للأدب لا يماثله أي احتضان لأي عقيدة، كما أن خدمة الأدب العربي لدعوة الإسلام ودفاعه عنها لا تناظره أي خدمة لأي أدب كيفما كانت لغته أو جنسه.

وإذا كان الدارسون للأدب العربي -في الوقت الذي كتب فيه الشيخ عبد الله كنون رحمه الله هذا القول- قد أصابتهم نشوة فصل الدين عن الأدب، فلم يهتموا بالأدب الذي خدم الدين، أو الذي تعرض لقضايا دينية، ولم يعنوا بالأدباء الذين لهم صلة بالدين وخاصة الفقهاء، فإن العديد منهؤلاء الدارسين في زماننا هذا لم يكتفوا بذلك بل تجاوزوه إلى  رفض كل ما هو قديم، بما في ذلك أدب عصر النهضة، وأدب الجيل السابق بل وحتى الجيل الحالي الذي ما زال مستمسكا بالقصيدة العمودية في مجال الإبداع الشعري، إلى الدرجة التي أخذ البعض فيها يحسبون أن مفهوم الأدب لا يتجاوز ما ينتجه الحداثيون، وأما ما عدا ذلك من إبداعات فليس له علاقة بالأدب.

لقد عجبت أشد العجب حينما حدثني أحد الشعراء الشباب يعمل مراسلا لإحدى الصحف، أنه مرة كتب قصيدة عمودية وأرسلها إلى الصحيفة التي يعمل مراسلا لها، على أساس أن تنشر في الصفحة الثقافية، وانتظر طويلا دون أن يرى أثرا لقصيدته. اتصل بالجريدة فقيل له : “إن القصيدة غير مناسبة للنشر”. فهم المراسل “الرسالة” وعرف أن سبب عدم نشرها يعود إلى سبب أنها عمودية. أمسك الشاعر الشاب عن الكتابة حينا، ثم كتب “كلاما غير مفهوم” أي أنه، كما قال لي، لا يدلعلى أي شيء، ولا يَفهم له معنى أي قارئ، بما في ذلك كاتبه. ثم أرسل هذا الكلام إلى الجريدة باسم مستعار، وإذا به يفاجأ بنشره بعد أيام معدودات على أساس أنه شعر سوي ناضج، يعبر عن غم صاحبه بكلام لا يفهمه لا قارئ الطلاسم ولا محلل الرموز.

فكانت “صدمة” المبدع وليس القارئ، و”تخييب أفق انتظار” الشاعر لا المتلقي.

هذا جزء من الواقع الأدبي، الذي هو جزء من الواقع الثقافي بل والتعليمي العام في المقررات وغير المقررات، حيث الأدب العربي القديم يعيش في غربة غريبة، ابتعاد، تنكر، ازدراء، تهميش…

لكن هل كل  الأمم هكذا تتنكر لتراثها؟؟ وتعبث بمقدساتها؟ وتزدري تاريخها؟؟

قبل أيام كنت أقرأ كتابا بالفرنسية يحمل عنوان “تاريخ الأفكار الاجتماعية” (Histoire des idées sociales) وتوقعت وأنا أقرأ العنوان،  أن يكون هذا التاريخ تأْريخا لكل الأفكار الاجتماعية عند كل الأمم ومن خلال كل الحضارات بمافي ذلك الحضارة الاسلامية، لكني فوجئت أن الكتاب لا يُعنى إلا بما هو غربي، فقسم الكتاب إلى أربعة أقسام : قسم للقديم واهتم فيه باليونان وفلاسفتها كأفلاطون وأرسطو، وقسم للعصر الوسيط واهتم فيه بالمسيحية وانتشارها وببعض الأعلام كتوما الأكويني، وقسم للأعصر الحديثة، وبدأ فيه بدراسة مفهوم الدولة الحديثة والتطور الديني المسيحي في أوربا ليدرس بعد ذلك عددا من الأعلام الكبار الأوروببيين كسبينوزا وروسو وكانْتْ، وختم الكتاب بقسم خاص بالعصر الصناعي متحدثا فيه  عن بعض الأعلام كشوبنهاور وآدم سميت وسان سيمون وغيرهم ولا أثر للحديث عن شيء يتعلق بالحضارة الإسلامية وتاريخها، وكأن لا أثر لهذه الحضارة ولا دور لها في الحديث عن الأفكار الاجتماعية. وهكذا الأمر في معظم المؤلفات الغربية وأغلبها، في أي موضوع كانت وبأي لغة نطقت.

أما نحن فحينما نكتب فهمنا الوحيد هو تذييل ما نكتب بقائمة ضخمة من المصادر والمراجع الأجنبية دون أي إشارة إلى تراثنا أو إحالة عليه، وكأننا ذيل لتراث الغير وتَبع لحضارتهم، وكأننا من سلالة بشرية غير سلالتهم يغارون على تراثهم ولا نغار، يدافعون عن ثقافتهم ولا نفعل. يبنون حضارتهم ونهدم حضارتنا، يحصنون مقدساتهم ونحتقر ما لدينا.

فمتى  نكون أمة لها وجود.. وتعود كما كانت خير أمة أخرجت للناس.

د.عبد الرحيم بلحاج

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *