الـمشروع الحداثي العلماني


ين ثقافة الاحتلال وتربية الانحلال

المشروع المجتمعي المغربي هو في أصوله وكسبه عبر قرون مشروع أخلاقي وإسلامي يتأسس كليا على المرجعية  القرآنية والنموذج النبوي في النظرة للحياة والكون والذات. وقد كانت دائما جاهزية المجتمع المغربي وجسديتُه مرتبطة بمدى انسجام الانسان المغربي وسياساته مع الفكرة الاسلامية التي أعطته الحياة وأخرجته من ضيق التجربة المحلية إلى سعة العطاء الحضاري العالمي منذ أن أصبح طارق بن زياد وغيره ينظرون إلى السماء عوض أن يغتربوا في الأرض.

أما في مراحل غياب المرجعية الاسلامية على المستوى السياسي العام وحداثة أفكار هامشية انقلابية على المجتمع، فقد كان نموذج المشروع المجتمعي المغربي المسلم حاضرا شاهدا يمانع ويقاوم كل احتلال ثقافي أو سياسي وارد أو انحلال أخلاقي قيمي وافد. بل لقد كانت  الانكسارات الاجتماعية والحوادث المستحدثة، مناسبة جديدة لانبعاث الفكرة الاسلامية من جديد بوضوح أكثر وحضور أعمق بكل أصالة وتجدد.

لقد كانت أزمات السيبة والصراع فرصة لتجدد الدولة الاسلامية المغربية، وكانت صراعات الخراب تمهيدا لانبعاث العمارة والعمران الاسلامي، وكانت حملات الغزو الغربي للشواطئ المغربية تجدد  روح الجهاد والرباطات التربوية والجسدية العقدية. كما كانت صدمة الاحتكاك بالغرب المعاصر منبها لطرح علماء العصر مشاريع لتجديد روح المجتمع المغربي بعيدا عن هيمنة المخزن والسيبة، وكانت الحركة الاستعمارية بكل حمولتها الحداثية العلمانية العنيفة سببا في ميلاد حركة وطنية أصيلة تتبنى المقاومة التعليمية والجهادية.

وكان لهيمنة الوافد الماركسي اليساري  الاشتراكي بعد الاستقلال دور في انبعاث صحوة التدين والانجاز الاجتماعي.

إن هذه الانكسارات المتعددة لم تزد المشروع المغربي الأصيل إلا ترسيخا في الوجدان والفكر ولمتزد ثقافته ومنهجه التربوي المُجتَمع إلا تجددا وصفاء ا بعد كدر.

إذن فما حكاية الانكسار الجديد الحديث المسمى “المشروع الحداثي” المغربي؟ وما هي خلفياته الثقافية وحمولته التربوية؟ وكيف يظن البعض من دعاته أن المشروع المجتمعي المغربي الأصيل قد يشذ عن قاعدته في الممانعة والتجدد؟.

المشروع الحداثي العلماني

لقد ظل الخطاب الحداثي العلماني والديموقراطي (بمفهومه الاديولوجي) خطابا هامشيا لمدة عشرات السنين، يرفضه النظام المخزني الرسمي ولا تستوعبه اللبرالية المحلية الساذجة وتنفيه المقولات اليسارية الاشتراكية والماركسية  المستعلية. كما وجدت فيه الصحوة الاسلامية ثقافة غربية دخيلة لا منبت لها في الواقع لأنها من مخلفات الثقافة الاستعمارية لما خلفت من فراغ لدى البعض.

فكيف تحول هذا الهامش في لحظة غفلة إلى مركز؟ وكيف أصبح الفراغ مشروعا تتبناه تلك الجهات التي كانت تتجاهله سواء تعلق بالجهات الرسمية أو المعسكر اليساري؟ وما علاقته بالمشروع الوطني الأصيل المؤسس على المرجعية الاسلامية، هل هو تجديد فيه أم تجاوز له؟.

إن النظر والتأمل الفاحص الدقيق كفيل  في الحمولة الثقافية التي تؤطره والتغيير التربوي الذي ينتج عنه بتقويمه والحكم عليه بعيدا عن بريقه الحداثي وضجته الإعلامية وخطابه الوثوقي.

أما على مستوى  حقيقة المشروع ،فإن المتتبع الفاحص يجد أن ميلاد المجتمع الحداثي جاء نتيجة إفلاس رسمي ويساري واضح تزامن مع إملاءات خارجية خضع لها الجميع. لقد سقطت الاديولوجية المخزنية والاشتراكية في وحل التخلف والاجترار، فكان القرار واضحا بالخضوع لريح العولمة الغربية ومسايرة شكلياتها من أجل الحفاظ على المواقع السياسية ومواجهة تجدد المشروع المجتمعي المغربي بأصوله الاسلامية.

إن الفرق شاسع بين المشروع الذي يتأسس على إيديولوجيات واضحة وبرامج متعددة واختيارات ذاتية، وبين قرار اللحظة وانقلاب الهامش على الصورة.

أما على مستوى  مفاهيم الحداثة والعلمانية، فإن غرسها في التربة المغربية يستلزم أولا تجاوز المرجعية الاسلامية القائمة لكن دون تجاهلها أو محاولة استئصالها حتى ولو على جثث من قضوا في أحداث 16 ماي الأليمة. إن الحقيقة تؤكد أن محاولات تجاوز المرجعية الاسلامية وفك رباطها بالمجتمع باءت بالفشل في عديد من التجارب، وكثير من  الدول رغم قوة الحديد وطول المدة. فكيف يأتي دعاة العلمنة والحداثة بالمغرب ليسقطوا نظاما تشريعيا وسياسيا وثقافيا ويضعوا مكانه نظاما آخر بكل سهولة واستسهال. كما أن الحديث عن عدم تناقض قيم الحداثة والعلمنة مع قيم الاسلام هو استخفاف بالعقول وإرباك للمفاهيم، وضعف في الشخصية الاجتماعية. وحتى إذا سلمنا بذلك، فإن السؤال يطرح نفسه عن مدى الحاجة إلى عناوين جديدة كالحداثة والعلمنة إذا كانت هي ذاتها عنوان الاسلام؟

أما الحديث عن أن الحداثة والعلمنة والديموقراطية وغيرها من المقولات الغربية هي تجديد وتأويل وإصلاح في القيم الاسلامية ومنظومتها، فهو أمر لا يستقيم لأن أمر التجديد والتأويل والإصلاح يجب أن يصدر من داخل المنظومة لا من خارجها، ومن علمائها ورجالاتها لا من المغتربين عنها.

فما دام هناك تيار إسلامي طويل عريض يصر على أصالة منهجه في الاصلاح والتجديد فلا شرعية لمن يدعي تأويلا حداثيا علمانيا مهما كانت سطوته وسلطته وامتيازاته. إن المجال الاسلامي لا  يعيش تجاوزا أو فراغا حتى نبحث له عن تأويل من خارجه.

كما أن محاولات التجاهل لحقيقة تأطير الاسلام للمجتمع رغم مظاهر التغريب على مستوى الدولة وبعض الهوامش من جهة، واستغلال الظرف الدولي والمحلي من أجل تمرير وتهريب الاديولوجية كحداثية العلمانية في ظل “ضعف” الدولة، وغفلة المجتمع من جهة أخرى، كل هذا يضع الأمة أمام تركيب إديولوجي لم ينتج عن قواعد التدافع الطبيعية ولا يمكنه أن يؤرخ لأي مرحلة جديدة في تاريخ المغرب، ولا يعبر عن حركية اجتماعية حقيقية أو ثورة طبيعية كما نفهم ذلك من تاريخ الأفكار الكبرى عبر التجربة الانسانية.

إن الأمر لا يعدو تجربة انقلابية خاطئة ـ كما عودنا المناضلون ـ وغياباً تاماً للمسؤولية عند هؤلاء المحاربين الجدد، لأن هذا التركيب الثقافي الجديد بكل تشوهاته، لا يمكن أن يؤدي إلا إلى فوضى سلوكية ومعرفية تأتي على توازن المجتمع وعافيته. إن حال المجتمع يقول -في خضم هذا الارتباك المرجعي الذي تم إقحامه فيه- إنه لا زال متشبثا بثقافته وعقيدته ونظامه الأخلاقي الذي يتعارض تماما مع النظام الاخلاقي الحداثي العلماني. كما أنه لا يمكنه أن يثق كثيراً في سلطة تدعي الديموقراطية والحداثة وهي لم تتخلص بعد من طابعها المخزني رغم مساحيق المصالحة وحقوق الانسان، وكذلك لا يمكن للمجتمع أن يثق في قيادات وأحزاب انقلبت من إيديولوجية يسارية ثورية إلى إيديولوجية حداثية نقيضة  دون أدنى محطات مراجعة أو وثائق نقد ذاتي أو تقويم للتجربة السابقة.

إن هذا الإفلاس الاديولوجي لا يبرر استيراد مقولات واديولوجيات تدعي الحداثة والديموقراطية والعلمانية وتقديمها على أساس أنها المشروع المجتمعي المغربي الجديد دون أدنى استحضار لشروط التغيير وثوابته ومتغيراته، سواء تعلق الأمر بصرامة الزمن أو استنبات البدائل أو صناعة الأفكار.

إن هذا التركيب الاديولوجي المتناقض الذي يعاني منه وعي وشعور المواطن المغربي بسبب انقلاب الصورة بين ما يعتقده وما يفرضه عليه  الإعلام والخطاب الحكومي والحزبي، أغرق المجتمع في مشاكل وإشكاليات نلخصها في عنصرين ثقافة الإحتلال وثقافة الانحلال :

ثقافة الاحتلال

الكثير من المفاهيم والمصطلحات التي تم استيرادها في خضم تجربة احتكاكنا مع الغرب في العقود السابقة كالتقدموالتحديث ودولة الحق والقانون وغيرها، وجدت لها مكاناً في فضاء خطابنا العربي المعاصر واستطاعت أن تعبر عن نفسها من خلال قضايا ومشاكل الذات سواء لدى أصحاب الثقافة الغربية بشقيها اليساري واللبرالي أو لدى تيار القوميين والاسلاميين، أما مصطلحا الحداثة والعلمنة وغيرها من مفاهيم الهيمنة والاحتلال، فرغم الاستعمال الاعلامي الواسع لها تبقى خارج روح سياق الخطاب العربي وبعيدا عن تحليل قضاياه وتغير مشاكله واقتراح حلوله، لأنهما  ليسا بنات التربية المحلية ولم تنبت منها بل يجري فرضها بقوة السلطة والهيمنة والاستعلاء. فغالبا ما تختفي هذه المصطلحات خلف مفاهيم أخرى للتلبيس والتدليس. فمصطلح الحداثة يقتات من مجال مصطلح التحديث ومفهوم العلمنة مختبئ وراء مصطلحات التأويل والتجديد وهكذا.

إن هذا الاستسلام لهذه المصطلحات الغربية المادية والانقلابية هو خضوع لمفاهيم عنيفة لا روح لها؛ فماالحداثة إلا إلغاء لكسب إنساني سابق ومعايير أخلاقية أصيلة، إنها إلغاء للذات وللآخر.

وما العلمنة إلا تجاهل لحاجات أساسية عن الانسان تتمثل في روحه وفطرته وأخلاقه ونزوعه نحو التدين فرداً ومجتمعا ودولة. بل كيف لنا أن نرهن مجتمعا يتوفر على شريعة وعقيدة  ونظام أخلاقي أصله من الله، خبرته سنوات من التنزيل النبوي، ومساحته آلاف السنين والكيلومترات، نرهنه لأديولوجية تأسست على خطأ مزدوج، أولا خطأ الرهبان عندما جعلوا شريعة الكنيسة تقترن بأي نظام اجتماعي، وتشريعٌ شمولي يهيمن على المجتمع من منطلق التفويض  الالاهي، ثم الخطأ الثاني عندما كان رد فعل النخبة آنذاك تجاهل هذا النظام كليا والتنكر لوظيفته الروحية دون     العمل  فقط على تحقيق مطلب الإصلاح.

إن الحداثة حادث عارض والعلمنة رد فعل متعصب، والخلاصة فتح المجال أمام منطق القوة والتجاوز الذي يؤطر العقل الغربي لكي يهيمن على فكرنا ويفرض علينا استضعافاً واحتلالا فكريا وسياسيا يشل إرادتنا ويعطل تفكيرنا.

لقد أصبح تيار الاحتلال أساسيا في علاقتنا بالغرب بعدما تجدد في العصر الأمريكي، إضافة إلى العصر الأوربي، كما أن قدرة المثقف العلماني الحداثي أصبحت عاجزة عن الإبداع بسبب القصف المفاهيمي والمشاريعي الذي يتعرض له يوميا في إطار صراع الحضارة وصدمة اللقاء، فكيف لنا أن نتحدث عن شروع مجتمعي مغربي يحقق الاستثناء. بالإصرار على إلغاء الهوية الاسلامية من هذا المشروع، فثقافة وزير الثقافة تتضمن كل شيء، إلا الثقافة الاسلامية، ومشاريع الإعلام تبشر بكل السلوكات الغربية المنحرفة إلا سلوك الأخلاق والقيم الاسلامية، والجامعات الشعبية للوزير المحارب تدرس كل المواد إلا المواد الاسلامية…

فعن أي مشروع مجتمعي يتحدثون؟ إنه فعل ثقافة الاستلاب والاستضعاف والاستعمار، بكل ما يحمله عدوان الاحتلال في فلسطين والعراق والشيشان وافريقيا وفنزويلا وهايتي وغيرها.

فمن يكون مشروعه هو مشروع القابلية للاستعمار، لا يمكنه أن يبدع ولا يمكنه أن يدعي تأسيس مشروع مجتمعي مغربي جديد. ومن كان مشروعه مشروع استئصال وإلغاء ودعوة للنزعات العرقية الانفصالية والطوائف الاستعلائية لا يمكنه أن يكون إلا عدو المشروع المجتمعي المغربي.

فإذا كانت ساحة الاعلام والمشاريع الحكومية والحزبية المدعمة من الخارج تغض الطرف عن هذا الفراغ القاتل لدى دعاة الحداثة والعلمنة، فإن فضاء النقاش المعرفي العلمي يعري كليا أقنعتهم وبمسح مساحيقهم.

إن شروط اتضاح أي مشروع مجتمعي أصيل أساسه الاستقلالية التامة والذاتية المبدعة بعيدا عن تراث الحداثة والعلمنة الغربي الذي يريد دعاة المشروع الحداثي أن يجعلوه مستقبلا لنا.

يتبع في حلقة قادمة بحول الله.

-ثقافة الإنحلال-

ذ.مصطفى شعايب

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *