5- في الهوية اللغوية


قبل أكثر من عقد من الزمان كنت أتردد بكثرة على  ديار الغرب، لغايات تتعلق بالدراسة والبحث العلمي. وكان مما أثار اهتمامي آنذاك اعتزاز القوم بلغاتهم ومحافظتهم عليها وعدم التفريط فيها ولو في أبسط ألفاظها.

حينما كنت أعبر الحدود الفاصلة بين هذه الدول راكبا في القطار كان يفاجئني دائما أن رجال الجمارك على  قرب بعضهم من بعض يحرص كل واحد منهم على التحدث بلغة بلده، حتى وإن كان يعرف لغة البلد الجار. حتى في الإعلانات الصوتية والمكتوبة التي يُقصد بها توجيه المسافرين وتقديم المعلومات لهم حول مواعيد انطلاق القطارات ووصولها، كانت تقدم باللغة الوطنية دون  أي ترجمة بلغة البلد المجاور، بل إني كنت أفاجأ أحيانا أني حينما كنت أسأل عن بعض الأمور المصالح المختصة، بلسان غير لسانهم، كانوا يردون علي بلغتهم، وكأن لسان حالهم يقول : لنا لغتنا التي لا ينبغي لنا أن نتنازل عنها.

هذا على المستوى الشعبي العام، أما على المستوى الإعلامي، فمما أثارني ومازلت أتذكره أني أتابع آنذاك برنامجا على إحدى القنوات الفرنسية، ويتعلق بالأرقام والحروف.. والهدف منه أن يؤلف المتسابق أطول كلمة من الحروف التي تقدم له بشكل اعتباطي. وأنسب عملية حسابية تجمع أكبر عدد من الارقام المقدمة  أيضا بشكل اعتباطي. والشرط الأهم بالنسبة للكلمات أن تكون من الكلمات الفصيحة المعترف بها أكاديميا، وكنت يومها أتعجب من شيخ يعمل حَكَما في هذا البرنامج، وهو خبير في اللغة، كنت أتعجب منه حينما يسمع كلمة عامية مستعملة شعبيا يقدمها أحد المتسابقين، ويشك في فصاحتها، فيعود إلى معجم ضخم يقلب صفحاته ليتأكد من فصاحة الكلمة. لم أكن أدرك حينها أن الرجل بل والبرنامج أيضا، لهما غاية واحدة، وهي المحافظة على لغة نقية بريئة من الشوائب، حتى  ولو كان الأمر يتعلق ببرنامج إعلامي.

وللإشارة فلقد كان للبرنامج محبون ومتتبعون وجمهور عريض.

أما على المستوى الأكاديمي فلم يكن عندهم أيضا أي تساهل أو تفريط في اللغة الرسمية الوطنية، لقد كنت أشاهد الطلبة الباحثين من مختلف الجنسيات والقوميات، ينجزون رسائلهم وبحوثهم وأطاريحهم في الدراسات العليا بلغة البلد، فكان الذي ينجز أطروحة في الرياضيات أو الفيزياء، أو الأدب العربي، أو الأدب الانجليزي أو الاسباني أو غير ذلك مجبرا على  تقديمها باللغة الفرنسية ما دام مسجلا في جامعة فرنسية. بل أكثر من هذا كانت محاسبة الطالب عسيرة أثناء المناقشة إن هو ارتكب أخطاء في اللغة حتى وإن كان البحث في موضوع لا علاقة له باللغة الفرنسية وآدابها. كل ذلك كان منهم -وما زال- حفاظا على  لغة البلد ودفاعا عنها، ولهم الحق في ذلك على  كل حال.

هذه صورة مقتضبة عن حفاظهم على  هويتهم اللغوية ودفاعهم عنها، وتسخير كل الوسائل من أجل تثبيت ذلك وتركيزه في أوساط كل فئات الشعب. فأصبح بذلك كافة أفراد الشعب محبين للغتهم غيورين عليها ومدافعين.

فماذا فعلنا نحن بالنسبة للغتنا التي هي جزء لا يتجزأ من هويتنا وحضارتنا وديننا وتاريخنا؟.

ماذا فعلنا حتى  بالنسبة للغة الدارجة التي لا يمكن أن تفصل عن الفصحى لأنها منها وإليها وسيلة للتعمق فيها وإدراك أسرارها.

– في أيام زمان كان آباؤنا يحدثوننا بأنهم كانوا يرفضون توجيه أبنائهم إلى  المدارس، خوفا من أن ينسلخوا عن هويتهم اللغوية أو الدينية لأن الاستعمار الذي كان جاثما على  صدر الوطن كان يتربص بكل شيء. وكان ذلك منهم غيرة على  اللغة العربية التي هي وعاء للثقافة الاسلامية.

– ثم ذهب ذلك الزمان وجاء زمان “تحررنا” فيه نحن أبناء زمن الاستقلال وما بعد الاستقلال من هذه “العقدة” فأقبلنا على  تعلم اللغة الفرنسية بالذات ودرسنا بها معظم المواد. قبل تعريبها، لكن كنا نصر على استعمال العربيةالدارجة في حياتنا اليومية، أو الأمازيغية حينما نكون بين أهلينا في المناطق القروية التي لا تُستعمل فيها العربية، وكنا نتحاشى استعمال أي لفظة فرنسية أو أي تعبير فرنسي.

وكلنا يتذكر أن الواحد منا إذ ا ما طُلب منه الحديث في اجتماع رسمي أو إعلامي أمام شاشة التلفزة أو أمواج الإذاعة، كان يجتهد ويبذل كل قواه من أجل الحديث بالعربية الفصحى، حتى  الدارجة لم يكن يتجرأ على  الحديث بها إيمانا منه أنه حينما يفعل ذلك يحافظ على  الهوية الوطنية لهذه الأمة، ما استطاع إلى ذلك سبيلا.

ـ ثم ذهب ذلك الزمان وجاء زمان آخر بدأ الحديث فيه عن أهمية اللغة الفرنسية لصنع المستقبل وأن العربية وحدها “ماتوكَّلْش الخبز” فأقبل الناس على تعلم اللغة الفرنسية لكن دون إهمال أو ترك تام للغة العربية، بل ظلت العربية حاضرة في المدارس العمومية والخصوصية، بل حتى في البعثات الأجنبية. ونتيجة لهذه الهيمنة بدأت عدد من الألفاظ  الفرنسية تتسرب إلى اللغة الدارجة، فأصبح العديد من الناس يلوكون بألسنتهم ألفاظا باللغة الفرنسية إيهاما منهم للسامعين أنهم “متحضرون” و”متقدمون”.

هذا في الوقت الذي كان العديد من الناس يتنذرون بهذا الازدواج اللغوي عند إخواننا الجزائريين. مع العلم أن هذا الازدواج عندهم جاء نتيجة السياسة اللغوية للاستعمار الفرنسي، بينما هو عندنا نتيجة سعينا إلى النهل من هذه اللغة.

– ثم ذهب ذلك الزمان وجاء زمان آخر، هو زماننا هذا الذي تم فيه التفريط كليا في اللغة العربية، وتم تهميشها نهائيا :

تم تهميشها رسميا بجعل معامل النقط فيها ضعيفا مقارنة مع المواد الأخرى، فأصبح التلاميذ يرونها مادة ثانوية لا قيمة لها ويمكن النجاح المتميز، لا العادي فقط، بدونها وتم تهميشها، نتيجة لذلك في معظم المدارس الخصوصية التي أصبحت تدرس لغتين : انجليزية وفرنسية، ولا وجود للعربية، إلى الدرجة التي أصبح الطفل، وربما الرضيع أحيانا، إن كان الأمر يتعلق بحضانة، لا يُخاطَب إلا بالفرنسية وتم تهميشها إعلاميا في التلفزة الوطنية بالذات بالاعتماد على البرامج المقدمة بالفرنسية، وحتى تلك التي تقدم بالعربية تستعمل فيها الألفاظ الفرنسية بكثرة. بل حتى الاستجوابات التي تجري مع ناس خارج الاستوديو تغلب عليها الألفاظ الفرنسية، دون أن يجد المخرج أي غضاضة في تقديم ذلك بهذه اللغة “العرنسية” ، ودون أن يجد المنتج قدرة لتنبيه المتحدث بالتحدث باللغة الدارجة كما عرفها آباؤنا لأنه يشعر إن فعل ذلك سيكون “متخلفا”.

وتم تهميشها اجتماعيا بتعليم الآباء لأبنائهم الفرنسية داخل البيوت.

ولقد دهشت أيما اندهاش واستغربت أيما استغراب حينما زرت مؤخرا أستاذا جامعيا مدرسا للغة العربية  فوجدته لا يخاطب أبناءه ولا يحدثونه إلا باللغة الفرنسية!!!  فهل من مزيد؟؟؟.

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *