من نماذج (المشاحة في الألفاظ والمصطلحات)


تحدثنا في العدد الماضي عن أهمية دراسة المفاهيم والمصطلحات والخصوصية الحضارية،  وقلنا  المشاحة في الألفاظ والمصطلحات من أولويات بنا وتحصين الفكر الاسلامي، ذلك أن أي عاقل من العقلاء لا ينكر أن (القاموس) في أي فن من الفنون أو علم من العلوم قد غدا في واقعنا الفكري أداة شديدة الفعل والتأثير في تكوين الفكر والمذهب والرؤية والهوية، ومن تم تكوين الاتجاه الحضاري لمن يستخدم هذا القاموس بالفلسفة الحضارية لواضعيه ومنشئيه(1).

ويمكن استعراض العديد من المصطلحات ، ولكننا في مقام لا يسمح إلا بعرض أمثلة فقط ومنها :

< الشــــارع :

هو المصدر الأول والأخير للتشريع وهو الفرد أو الطبقة أو الأمة في الحضارة الغربية.

أما في الحضارة الإسلامية فيدل على واضع الشريعة وأصولها ويختص به،وهذه الأصول ليست إبداعا إنسانيا وإنما هي وضع إلهي نزل به الوحيدينا يتدين به إنسان الحضارة الإسلامية {شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا  الدين ولا تتفرقوا فيه}(الشورى : 13)(2) و{لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا}.

<   السنـــــة :

فالسنة عند اللغوي لها معنى.. وعند عالم الفرق والمذاهب لها معنى،فلا مشاحة في وضع المصطلح ولا في استخدامه..لكن المشاحة قائمة في إغفال التمايز بين المعاني والمضامين الموجودة في هذا الوعاء الواحد.. وإذا كانت هذه المشاحة واردة في إطار مذاهب وعلوم الحضارة الواحدة بسبب ماتسببه هذه المصطلحات من خلط وفوضى معرفية،فإن إغفال هذا التمايز في علاقتنا بحضارات أخرى قد يفتح بابا واسعا للخلط والتشويه المعرفي، يجعل من القاموس – المعرب مثلا – والذي لا ينبه على تمايز مضامين المصطلح الواحد في الحضارات المتمايزة أداة تزييف لوعي أبناء الحضارة المتلقية لهذا القاموس.. وأداة تبعية وإلحاق لهم بالحضارة التي أصل هذا القاموس مفاهيمها محل المفاهيم المتميزة لهذه المصطلحات في حضارتهم التي إليها ينتسبون)(3) وصدق الله العظيم إذ يقول مبرزا أهمية المصطلحات باعتبارها مفاتيح التواصل الإنساني والفكـري و.. {من الذين هادوا يحرفون الكلم عن مواضعه، ويقولون سمعنا وعصينا واسمع غير مسمع وراعنا ليا بألسنتهم وطعنا في الدين، ولو أنهم قالوا سمعنا وأطعنا واسمع وانظرنا لكان خيرا لهم وأقوم، ولكن لعنهم الله بكفرهم فلا يومنون إلا قليلا}(النساء : 46).

تعلمنا هذه الآية (معركة المصطلح والمفهوم) و (التي يخوضها القرآن بالجماعة المسلمة في مواجهة الجاهلية المحيطة بها .. والمعسكرات المعادية (لها)… معركة البناء، بناء هذا المجتمع الجديد على أسس المنهج الإسلامي الجديد بلغته ومصطلحاته وأدواته المعرفية الخاصة كي يستطيع أن يواجه المجتمعات المعادية من حوله، وليتفوق عليها… (إنه) تنبيه للمسلمين وتحذير لهم من ألاعيب اليهود وتدبيرهم..(حيث) بلغ من التوائهم وسوء  أدبهم مع الله عز وجل أن يحرفوا الكلام عن المقصود به..ومع رسول الله  أن يقولوا له :سمعنا يا محمد ماتقول، ولكننا عصينا ؟ فلا نؤمن ولا نتبع ولا نطيع.. مما يدل على أن هذه الآيات نزلت في وقت مبكر حيث كانت لليهود هذه الجرأة على مواجهة النبي ، ثم يضيفون إلى التبجح سوء الأدب والخلق والالتواء أيضا. إذ يقولون للرسول  : {واسمع – غير مسمع- وراعنا} ففي ظاهر اللفظ أنهم يقولون:اسمع غير مأمور بالسمع – وهي صيغة تأدب – وراعنا:أي انظر إلينا نظرة رعاية لحالنا أو نظرة اهتمام لوضعنا،بما أنهم أهل كتاب فلا ينبغي أن يدعوا إلى الإسلام كالمشركين..أما في اللي الذي يلوونه فهم يقصدون: اسمع لا سمعت، ولا كنت سامعا؟ (أخزاهم الله) و(راعنا) يميلونها إلى وصف (الرعونة ) ، وفي هذا ..تبجح وسوء أدب، والتواء، وتحريف للكلام عن موضعه وعن معانيه(4)..إنها يهود…، فتأمل أخي القارئ.

——————

1- الخصوصية الحضارية للمصطلحات للدكتور محمد عمارة،ضمن كتاب:إشكالية التحيز:رؤية معرفية ودعوة للاجتهاد، تحرير د.عبد الوهاب المسيري، منشورات المعهد العالمي للفكر الإسلامي الطبعة؟، ج:1، ص:124

2- الخصوصية الحضارية ص142

3-  الخصوصية الحضارية:ص:127

4- الخصوصية الحضارية للمصطلحات ص:125

محمد بنعيادي

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *