غياب التوجُّه الصحيح يقود إلى المصير القبيح


السياسة معناها بكل بساطة : أن تقود الناس لتحقيق مصلحة عامة، فيها الخير لكل الناس في الحاضر والمستقبل، وهذه المصلحة العامة فكَّر فيها القائد، واستشار فيها، واستخار الله عز وجل فيها، حتى أصبح مقتنعا بها تمام الاقتناع، ثم أقْنَعَ بها المقودين حتى  أصبحوا جنودا للقائد عن طواعية واختيار واثقين من حُسن الاختيار للهدف والغاية، مستعدين لبذل النفس والنفيس في سبيل ذلك الهدف النبيل الذي لا أثر فيه لحُظُوظ النفس وشهواتها أبدا، وإنما هناك تجردٌ تامٌّ، وإخلاصٌ تام للهدف وللقيادة المجنَّدة لتحقيق ذلك الهدف.

وهذا الهدف النبيل المتجرِّد من الشوائب لا يمكن أن يصدُر من إنسان ـ مهما نَبُه وتجرد ـ لأنه باختصار جاهلٌ بالطبائع والآفاق، وقاصرٌ عن الإحاطة بما يُصلِحُ الإنسان في الحاضر والمستقبل، ولا يمكن أن يُؤْتَمَنَ عليها إلا الرسُلُ المعصومون من الأخطاء والأهواء بتربية الله عز وجل لهم أو أتباع الرسل المعصومين من الأخطاء والأهواء بالتقوى وعيون الأمة التقية التي تراقب وتنصح وتصحِّح وتُوجِّه في حرية تامة لا تخشى في الله لومة لائم.

والهدف الذي حدَّده الله تعالى للمسلمين عندما ساقهم لأول معركة بقيادة رسول اللهمع الكفر والكافرين، هو : {وَتَوَدُّونَ أنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الكَافِرِينَ لِيُحِقَّ الحَقَّ ويُبْطِلَ الْبَاطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ}(الأنفال : 8).

فالبدريُّون ـ وإن كانوا من الطبقة الأولى عند الله وعند المسلمين ـ كانوا وما زالُوا يُنضَّجُُون في فُرْنِ الابتلاء الرَّبَّاني ليُصَفَّوْا تصفية كاملةً ليس من حب الدنيا وترابها فقط، ولكن ليُصَفَّوْا حتى من مجرَّد تَمَنِّي الحصول على الأموالبسهولة ويسر، وتمنِّي السلامة من لقاء العَدُوِّ، ليعلِّمهم عَمَلِيًّا وتطبيقياًّ ـ لا نظريًّاـ أن الخير كل الخير فيما يكرهون، وأن الشر كل الشر فيما يتمنَّوْنَ، فهُمْ جُنْدُ الله وحَمَلَةُ رسالة، ورسالةُ الله تعالى التي انتُدبوا لتحقيقها هي “إِحْقَاقُ الْحَقِّ وإِبْطَالُ الْباطِلِ”.

والحق ـ وإن كان طيِّبَ الثمرة والعاقبة ـ فإنه مُرُّ المذاق بالنسبة لأصحاب الأهواء، لهذا اقتضَتْ سُنَّةُ الله تعالى  أن يكون لهُ جُنْد غالبون متجردُون لإقامة سلطان الحق ولو بكَنْسِ الأرض من سلطان المجرمين لتسْعَدَ الإنسانية بالعَدل والهدى والأمان والاطمئنان والمستقبل الحسن المضمون.

هؤلاء الجند الغالبون هم الذين رسَمَ الله تعالى لهم طريق العمل وجدول الأولويات الضرورية لبناء أركان دولة الحق والعدل والقانون في قوله تعالى { الذِينَ إِنْ مَكَنَّاهُمْ فيِ الأًَرْضِ أَقَاموُا الصَّلاَةَ وآتَوْا الزكاة وأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ ونَهَوْا عَنِ المُنْكَرِ وللَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ} (الحج : 39).

فالله تعالى بَيَّن للمسلمين ـ وكلهم  عَهْداً جند الله ـ الهدف الذي من أجله ينبغي أن يعيشوا ويعملوا، وبَيَّن لهم طريق العمل والنجاح والفلاح في الدنيا والآخرة، ليكونوا أسيادا لا عبيدا، ورؤساء لا أذنابا، ورجالا كراما لا حُمُراً مُسْتَحْمَرَةً وأنعاماً.

فَبِمَ وصَلُوا إلى هذا المستوى المتدنِّي المجافي لهدفهم؟!

وصلُوا إليه بتضييع الهَدَف الذي من أجله كانوا فأصبحوا تائهين يقودهم كُلُّ أفاك أثيم إلى  خراب الدنيا والآخرة.

يقودهم من يعرف كيف يصنع الآلات التي تدمِّر الإنسان، ولا يعترف بنعمة الرحمان، يقودهم ـ كما قال أحد المفكرين ـ من يُحسِن التحليق في الهواء كالطير، ويغوصُ في الماء كالسمك، ولا يُحْسِنُ أن يمشي على الأرض كإنسان، أي يمشي منكوسا برأسٍ في التراب وأرجُلٍ في السماء.

يقودهم من بهرهم بالعِلْم المادي الذي تَفَنَّنَ في صُنع وسائل الحياة، ولكنه حُرِم من معرفة غاياتِ الحياة، عِلْمٌ زيَّن لهم ظواهر الحياة وحَرَمهم من أعماقها وأسرارها، عِلمٌ وفَّر لأصحابه المتعة وحرمَهم من السكينة التي هي سر السعادة، عِلْمٌ مَكَّنهم من التجبُّر والطغيان، وحَرَمَهم حَتَّى من أخلاق الحيوان.

فتضييع الهدف جَعلَ المسلمين  المفرطين في رسالتهم يَسْتَجْدُون التخطيط، والفكر، والعلم، والتقنية، والاقتصاد، والغذاء، والسياسة، والنُظم، والمناهِج، والحداثة، والديمقراطية، بَلْ أكثر من ذلك، يستجدون الِّدينَ، يَحْمِلُون الدين الحق، ويستجْدُون دينا لا صِلة له بالحق !!! أيُمكن أن تقوم قائمة لقوم لم يُعرفوا في التاريخ إلا بالرسالة التي حملوها لهداية الناس بعدما أضاعوها، وأصبحوا مُتَسَوِّلين؟؟ أضاعوا ديناً مُوحًى به من السماء، وصاروا يتسولون أديانا توحي  بها الأهواء؟ ! أيُمْكِنُ أن يَجْمَعَ الله قوما على مذاهبَ بشرية كالعلمانية، والقومية، والوطنية، والبعثية، وغيرها من المذاهب بعدما فَرَّطوا في الاعتصام بحبل الله المتين؟

إن غياب التوجه الصحيح للشعوب الإسلامية، وغيابَ التوجيه الصحيح للقيادات الإسلامية هما اللذان أدَّيا بالأمة الإسلامية إلى هذا التمزّق الذي جَرَّأ الأعداء على احتلال أراضيها، ونهِبِ ثرواتها، والعبث بمقدّراتها، والاستِفراد بتوجيه سياستها تجاه التنازل والاستسلام لمخططات بَيْع الحَقِّ في أسواق الباطل التي يتهافَتُ عليها عبيد الدرهم والدولار { الذِينَ اشْتَرَوْا الضَّلاَلَةَ بالْهُدَى فما رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ}(البقرة : 15).

ولاستِدْرَاكِ الانهيار التام، لابد من:

1- إِحْيَاء العَزْم على اختيار الرسالة التي اختارها الله لنا، فهي صبغةُ الله التي عُرفنا بها {وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً}(البقرة : 137).

2- تحمُّل تبعاتِ هذه الرسالة {أَحَسِبَ النَّاسُ أنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا َيُفْتَنُونَ}(العنكبوت : 1).

3- الدعوة لها بوضوح  خال من المداهنة والنفاق السياسي والاجتماعي، فذلك يُرْدي ويشوه {ومَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صالِحاً وَقَالَ : إِنَّنِي مِن الْمُسْلِمِينَ}(فصلت : 32).

4- تجديد روح الاعتماد المطلق على الله تعالى، وعَدَمِ مقايسة قوة الله تعالى المطلقة بقوة البشر الضعيف الذي لا يملك لنفسه نفعا ولا ضرا {لاَتحسِبَنَّ الذين كَفَرُوا مُعْجِزِينَ فِي الأَرْضِ ومَأْوَاهُمْ النَّارُ وَلَبِيسَ المَصِيرُ}(النور: 55).

5- العملُ بحكمةٍ وصبرٍ وأناةٍ على تجاوز العوائق الفكرية والسياسية والمذهبية التي صُنِّعت للأمة لتمزيق شملها {ولاَ تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُــــــوا وتَذْهَـــبَرِيحُكُـــمْ} (الأنفال : 47).

هذه بعض النقط الأساسية الأولى لاستئناف المسير الدّعوي الكفيل بإنقاذ الأمة من التيهان الذي تتخبط فيه {والذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ المُحْسِنيِنَ} (العنكبوت : 69).

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *