صندوق الحج في ماليزيا تجربة رائدة تستحق التنويه


يشكل صندوق الحج المعروف في ماليزيا بـ”تابونغ حاجي” (كلمة تابونغ تعني في اللغة الماليزية صندوقًا تحفظ فيه النقود) أحد الأوعية التي استخدمتها الحكومة لتعبئة الادخار العائلي الذي يُعَدّ حجر الزاوية في ارتفاع معدلات الادخار القومي ومن التراكم الرأسمالي اللازم لإحداث تنمية.

ويصل متوسط الادخار القومي إلى 37,4% من الناتج القومي الإجمالي في العام 2002، وتعتبر هذه النسبة من بين النسب الكبرى في الدول النامية. واستطاعت الحكومة أن تمول مشروعات التنمية والبرامج الاجتماعية من خلال المدخرات المحلية دون اللجوء إلى المصادر الخارجية والمعونة الأجنبية، ولذلك لم يكن العجز في الحسابات الجارية واردًا طيلة العقود الماضية، إلا في فترات محدودة وبحجم صغير في الأجل القصير(1).

وقد أسس صندوق الحج في نوفمبر عام 1962، وبدأ العمل في 30 سبتمبر 1963 كمؤسسة معنية بإدارة ادخار الماليزيين الراغبين في أداء فريضة الحج، بهدف تمكينهم بطريقة تدريجية من توفير نفقات الحج.

ويقوم صندوق الحج (Pilgrims Fund) بثلاث عمليات:

1- الإيداع: تجميع مدخرات المشتركين وفتح حسابات ادخار لهم.

2- الاستثمار: توظيف أموال الصندوق في استثمارات ومشاريع تجارية. وله شركات تعمل في مجال الإنشاءات وخدمات السفر والسياحة والزراعة والنقل والمواصلات وتطوير العقارات.

3- الخدمات: خدمة الحجاج الماليزيين أثناء فترة الحج (السكن، المواصلات، المعيشة، الرعاية الصحية).

البداية من أنقو عزيز

وتعود فكرة الصندوق إلى الاقتصادي الماليزي الشهير أنقو عزيز من جامعة الملايا بالدعوة إلى إنشاء مؤسسة تهتم بادخار الحج بغرض مساعدة الحجاج على تغطية وتوفير تكاليف الرحلة. وتقوم المؤسسة بالادخار وفي نفس الوقت بالاستثمار.

وقد عرضت خطة مشروع الصندوق على مجلس الوزراء على عهد تقو عبد الرحمن مؤسس ماليزيا ورئيس وزرائها في 1959 فوافق على الخطة، وعرضها على البرلمان الذي وافق أيضًا عليها.

وكانت توصية عزيز أن تدخر أموال الحج في مؤسسة خالية من الربا حتى يقبل الناس على وضع مدخراتهم فيها، وتقسم الأرباح بين المساهمين على أساس المشاركة، وهذا ما ساعد في تغطية نفقات الحج دون الوقوع في الربا.

وطبقت تجربة الصندوق بعد أن وافق عليها آنذاك شيخ الأزهر الأسبق الإمام محمود شلتوت، وذلك إبان زيارته ماليزيا في 1962، وقال: إنها خطة مقبولة شرعًا، وسيجني منها المسلمون نفعًا كثيرًا، وطالب بتنفيذها فورًا(2).

وبدأ تابونغ حاجي عملياته في سبتمبر 1963 وفي عام 1969 تم دمجه مع إدارة شئون الحج التي كانت تهتم بشئون الحجيج وتعمل منذ 1951، ثم عدل قانونه في 1973، وفي 1995 تم تجديد المؤسسة وإعادة ترتيبها وتطوير أنشطتها لمواكبة التطور وتبنت فكرة التطوير وزارة المالية، وقامت بتحديث المؤسسة وتفعيل دورها الاستثماري.

4 ملايين مشترك

والصندوق حاليًّا لديه أكثر من 100 فرع داخل ماليزيا و4.5 ملايين مشترك بإيداعات تصل إلى 2.6 مليار دولار أمريكي (الدولار = 3.8 رينجت)، وأصول تقدر بـ2.8 مليار دولار حسب بيانات أغسطس 2003، وينمو معدل المودعين بنسبة 2.7%، وهو أعلى من معدل زيادة السكان البالغ 2.5% في السنة.

كما يقدم خدمات الإعاشة والفحص الصحي والرعاية والنقل للحجاج سنويًّا والذين تصل أعدادهم إلى 25 ألف حاج سنويًّا.

وكان الصندوق حينما بدأ أعماله في 1963 لديه 1281 مشتركًا وإجمالي إيداعات تصل 46600 رنجت ماليزي بموجب قانون وافق عليه البرلمان.

ويلبي الصندوق أهم احتياجات المسلمين وهي أداء فريضة الحج واستثمار الأموال المدخرة في آن واحد بما يتفق مع أحكام الشريعة الإسلامية، وكان المسلمون الراغبون في أداء فريضة الحج يدخرون أموالهم بغرض الحجبطريقة تقليدية وغير منظمة كحفظ النقود والمجوهرات في منازلهم، وتحت الأرض وكانوا لا يودعونها في البنوك مخافة أن تختلط بالأموال الربوية، ومن المنظور الاقتصادي كانت المدخرات خارج الدورة الإنتاجية وبعيدة عن دائرة النشاط الاقتصادي ولا تولد أي دخول جديدة.

وجاء الصندوق ليلبي تلك المطالب ويجعل هذه المدخرات تساهم في التنمية الاقتصادية، ويقدم اليوم خدمات الادخار والاستثمار معًا، ويمكن لأي شخص ماليزي مسلم أن يفتح حسابًا لدى تابونغ حاجي، والحد الأدنى للاشتراك الشهري ما يعادل 10 رنجت للبالغين و2 رنجت للأطفال.

ويجمع الصندوق المدخرات عن طريق مكاتبه وفروعه ومكاتب البريد المنتشرة في ماليزيا، أو عن طريق الخصم المباشر من مرتب المشترك بواسطة الجهة التي يعمل لديها. ويستطيع المشترك أن يسحب في أي وقت شاء داخل ماليزيا، وكذلك أثناء فترة الحج داخل المملكة العربية السعودية.

وللصندوق مجلس استشاري يوجه ويراقب أعماله، وله استثمارات في مجالات الخدمات والعقارات والصناعة والمواصلات والنقل في الأجلين الطويل والقصير. فلديه ما يقارب 12 شركة ومؤسسة وكذلك له استثمارات خارج ماليزيا في الزراعة، ويقوم الصندوق بإخراج الزكاة من أرباح أعماله التجارية والاستثمارية، وهو يوزع أرباحًا تصل في المتوسط إلى 8 – 12%، وهو المعدل السنوي بعد خصم الضرائب والزكاة، ويوزع الزكاة من خلال إدارات الشئون الإسلامية في ولايات ماليزيا(3).

وبسبب الخدمات التي يقدمها الصندوق تصل تكلفة الحج في ماليزيا لحوالي 2300 دولار، بينما تكلفة الحج في الدول الآسيوية المجاورة حوالي 5300 في سنغافورة و3200 في إندونيسيا. وهذا يعني أن الصندوق يدعم خدماته، ولا يأخذ مصاريف إدارية إلا في الترحيل والإعاشة للحجاج، كما يقدم أيضًا الخدمات الصحية والإرشاد الديني.

لماذا نجحت التجربة؟

ويعود نجاح هذه التجربةإلى اتباع ماليزيا عدة أساليب منها تحقيق معدلات ادخار مرتفعة، فقد وفرت بيئة اقتصادية ومالية ملائمة كان لها تأثير بيِّن في تشجيع المدخرين وخلق حالة من الأمان والطمأنينة لديهم. فقد اتبعت الدولة سياسة التحكم المالي، وإدارة الاقتصاد الكلي، وهذا ساعد في ضبط معدلات التضخم، وتشجيع الادخار، وخلق حالة من الطمأنينة عند المدخرين، وإعطائهم شعورًا بالأمان على مدخراتهم.

كما لعبت السياسة الاقتصادية في مجال الادخار دورًا هامًّا في حشد الموارد المحلية، فقد أسست صناديق التأمين الإجباري، مثل صندوق احتياطي الموظفين، وصندوق منظمة الأمن الاجتماعي، كما شجعت الدولة من جهة أخرى الادخار الاختياري، وأنشأت أوعية ادخارية متعددة تتوافق ورغبات ومعتقدات المواطنين (صناديق ادخار تعمل وفق أحكام الشريعة الإسلامية)، مثل صندوق ادخار الحج، ثم في العقود الأخيرة كُمل هذا الادخار بواسطة الادخار الإسلامي، وكذلك صناديق الضمان الاجتماعي، مثل صندوق القوات العسكرية، وجمعيات الادخار التعاونية، وبذلك كوّنت شبكة محكمة من الأوعية الادخارية لتمويل عملية التنمية الاقتصادية والاجتماعية في البلاد.

——————-

(ü) أستاذ الاقتصاد بجامعة العلوم الإسلامية بماليزيا

(1)    Bank Negara Malaysia (2002) Monthly  Statistical Bulletin. October 2002. Kuala : Lumpur P 84P

(2) Azhaer Nayan (2000) Pilgrim Management and Fund Boardî In. Kalid Rahman and Mushfiq Ahmed (eds)(2000)  Towards Islamic : Banking Experiences and, Challenges Institute of Policy Studies. Islamabad, P 48- 49

(3)  Lembaga Tabung Haji (2002) Annual Report. Kuala Lumpur. P 20

> عن إسلام أولاين نت

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *