المد التسونامي الأمريكي والمد الرباني القادم


 

لم يكن “كولن باول”  وزير الخارجية الأمريكي مجانبا للصواب حين وصف ما وقع في جنوب شرق آسيا بأنه كارثة تفوق الخيال. ولنا عودة إلى هذا التصريح في محطة أخرى من هذا المقال، ونتوقف عند هذه الكارثة الأليمة  لنستقرئ بعضا من تداعياتها، فغداة وقوع  الفاجعة،  وجد الكثير من الإسلاميين أنفسهم  يبتلعون ألسنتهم، أو كما يقول المثل الفرنسي، يحركون ألسنتهم عدة مرات داخل أفواههم قبل أن يجرؤوا على الإدلاء بارتساماتهم الدينية حول طوفان آسيا، مخافة الزج بهم في خانة التخريف الغيـبـي التبسيطي،  و”السادية الإسلامية المتطرفة”، المعادية للعقلانية، في حين استرسل المحللون المعتمدون من لدن الدوائر الإعلامية العلمانية وبكل حرية في أحاديث مبنية للمجهول، حول أسباب المد البحري الآسيوي، واتحدوا من مختلف زوايا مقاربتهم للكارثة في القول بأن الأمر يتعلق باختلالات طبيعية لامناص منها بين حين وآخر، وأن للمدنية الصناعية يداً في هذه الإختلالات التي خلفت ما أسموه “بغضب الطبيعة”، وفي صيغ بلاغية أخرى ألحقوا التهمة بالسماء وكفى ؟!!.

وفي السياق ذاته،  سمعنا لعلمائنا الأجلاء المختصين في علوم الأرض، المرتهنين للتربص الإرهابي الأمريكي للمسلمين بعد 11 سبتمبر، وهم يسهبون بمهارة في الحديث العلمي عن زلزال وطوفان القرن والسيرة الذاتية لأعماق البحار، وقصور أجهزة الرصد , و..و.. وبقينا على جوعنا الروحي، وأخيرا  سمعنا منهم من  يتحدث على استحياء عن جنود الله، وقلة من العلماء البواسل  كانوا شموليين في تناول أسباب هذا المصاب الفاجع، ومع ذلك فقد سجل الحادث ضد مجهول!!..

وسبحان الله، من أطلق الماء كرا وحبسه فرا، ثم إذا شاء رده غورا، ومن أهاج البراكين ودك الأرض بغتة والناس في خوضهم مستغرقون ؟؟، قال تعالى: {لمن الأرض ومن فيها إن كنتمتعلمون}(المؤمنون : 85)، وقال تعالى: {ففتحنا أبواب السماء بماء منهمر وفجرنا الأرض عيونا فالتقى الماء على أمر قد قدر}(القمر : 12)، وقال تعالى : {وأنزلنا من السماء ماء بقدر فأسكناه في الأرض وإنا على ذهاب به لقادرون}. إلى غير ذلك من الآيات الكثيرة التي تذكر بديع صنع الخالقِ، وعظيم قدرته في تدبير شؤون هذا الكون مِمّا لا يسعنا المجال لذكره..

فكيف تم تغييب صاحب الملك والخلق والأمر سبحانه، وفسح لنا المجال للتفقه في مجاهل حركة المخلوقات الطبيعية واختلالاتها، مع  السكوت عن محركها تعالى جلاله عن جحودهم!!.. ألهذا الحد مخيف هو العملاق الديني المُنَوَّمُ قَصْرًا، ومزعج هو انْشِحَانُ العاطفة الدينية والعودة إلى الله  التي تعقب كوارث من هذا الحجم المرعب ؟..ومع ذلك ورغم كل هذا التلبيس الإعلامي فإن أجهزة رصد المقبلين على التدين خاصة بالنسبة للدين الإسلامي من مثل جريدة (دوكريستيان سيانس مونيتور)  الأمريكية، أعلنت على هامش هذا الطوفان بأن ما وقع من شأنه أن يؤدي إلى الإقبال على  الإسلام بشكل كبير..

وبالعودة إلى الإعجاز القرآني في مجال استعراض السنن الكونية الثابتة على مر الأزمان،  يتبادر إلى الذهن السؤال التالي : كيف تم إغفال سور عظيمة وردت بكتاب الله عز وجل حول الكوارث باعتبارها جنودا من جند الله، يسلطها على أمم وحضارات شتى، حيث يكون عاملُ تسليطها، هو غضب الخالق لارتفاع منسوب البغي والمظالم والمفاسد، قال تعالى : {وكم قصمنا من قرية كانت ظالمة وأنشأنا بعدها قوما آخرين فلما أحسوا بأسنا إذا هم منها يركضون لا تركضوا وارجعوا إلى ما أترفتم فيه ومساكنكم لعلكم تسألون}( الأنبياء : 11- 13). وقال تعالى : { فأخذهم الطوفان وهم ظالمون فأنجيناه وأصحاب السفينة وجعلناها آية للعالمين}(العنكبوت : 13- 14). وقال تعالى : {إنا منـزلون على أهل هذه القرية رجزا من السماء بما كانوا يفسقون}(العنكبوت: 34). وقال تعالى : {فكلا أخذنا بذنبه فمنهم من أرسلنا عليه حاصبا ومنهم من أخذته الصيحة ومنهم من خسفنا به الأرض ومنهم من أغرقنا وماكان الله ليظلمهم، ولكن كانوا أنفسهم يظلمون}(العنكبوت : 40). وقال تعالى  : {ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس ليذيقهم بعض الذي عملوا لعلهم يرجعون}(الروم : 40).

فسبحان الله في هذا العمى المركب عند من يصرون على تجييرالكارثة بهولها لحساب طبيعة عجماء، وحقا ما قدرُوا الله حقّ قَدْرِه ، إنه التنكب الصُّرَاح للسنن الكونية الربانية المصدر والمنتهى..

وقد مارس قوم لوط من الرجال فاحشة إتيان الذكران، فأمطر عليهم رب العزة مطرا من حجارة، فساء مَطَرُ المنذَرين، فما بالك بمن يتخذون في عصرنا هذا، الجُزر النائيةَ، منتجعًا للسياحة الجنسيَّة بمختلف أنواعها  الفريدة الشذوذ كما تفصل ذلك وصلات الإشهار لفراديس هذه الجزر، وجنانها داخل المجلات الغربية وصفحات الانترنيت، ولسنا في معرض تزكية جنـاتنا البحرية الإفريقية المسلمة، يا حسرة!؟، حيث تربض محمية موقرة،شواطئ العري التام وأشياء أخرى، كم نخاف فيها قوله سبحانه وتعالى : {فذرهم في غمرتهم حتى حين، إنما نمدهم به من مال وبنين نسارع لهم في الخيرات بل لا يشعرون}(المؤمنون : 57).

وإذا كنا استشهدنا بهذه الآيات،  فلتعديل الكفة قليلا في اتجاه إعادة الأمور إلى مواضعها ومحضنها الديني الذي  لا يفيد البتة سَلْخُ المأساة عن سياقها العلمي، باعتبار أن الشروحات العلمية لهذه الكارثة مطلب شرعي، قال تعالى : {يا معشر الجن والإنس إن استطعتم أن تنفذوا من أقطار السماوات والأرض فانفذوا لا تنفذون إلا بسلطان}(الرحمان : 31)، كما لا يعني استشهادنا هذا تدخُّلا في شؤونه سبحانه فنجْزم بأن ما حلَّ بجنوب شرق آسيا هو غضب أوتوماتيكي عليها وأن أهلها ظالمون {إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين}، ونقول فقط : إن هذا المصاب هو بمثابة الدرس القاسي،  والتذكرة الكبرى لنا أجمعين، فمن شاء اتخذ إلى ربّه سبيلا، وهو جرحنا أيضا أجْمعين وابتلاؤنا الموحَّد، لأن من أصابتهم الكارثة هم إخواننا في الإنسانية، إن لم يكن البعض فيهم إخواننا في الدين، وما المصاب منا ببعيد، فاللهم لطفك بعبيدك وإنا لله وإنا إليه راجعون..

وبالعودة إلى ما قاله “كولن باول ” وفي مشهد آخر من هذه اللوحة التراجيدية، علينا أن نتذكر كارثة أخرى، تفوق،لا الخيال،كما قال مايسترو في مأساة الخليج الأولى، بل تفوق المحال بعينه، إنها كارثة المد العسكري الأمريكي الغاشم بأرض العراق، فقد أبتْ الدوائرُ الإعلامية الاستكبارية، إلا أن تعـتّم على الخراب الذي تواصله آلة الدمار الشامل الأمريكية، بالركوب على موجة إنقاذ منكوبي التسونامي من طرف التحالف الذي نصبت أمريكا المنقذة نفسها، قسرا كالعادة، لقيادته،وتسليط الأضواء على فصول هذا الإنقاذ المقدس، كما أبت إدارة بوش إلا أن تجعل من مصائب آسيا فوائدَ لها تكرس من خلالها زعامتها للعالم، وهذه المرةُ في أعمال الخيْر، وموازاة مع جنون العظمة هذا، فليس هناك أوسع من استوديوهات هوليود، اللهم مساحات آسيا المنكوبة ليمحو فيها جنود الماريـنـز عار عقدة الفلوجة، وغضب العالم عليهم، إزاء سعارهم الوحشي في تصفية المستضعفين ممن يقولون ربنا الله من المصلين العزل، ومن النساء والأطفال  وكذا العلماء، كما حدث لعضو هيئة العلماء المسلمين بالعراق المرحوم “موفق مظفر الدوري”، الذي قتل وسط نوبة من الضحك والاستمتاع السادي بتخبطه في دمائه  ورحيله الموجع، من طرف “ملائكة الرحمة في آسيا”، وزبانية العذاب في العراق!، الأمر الذي يؤشر على أننا أمام جاهلية شرسة فاقت جاهلية قوْم نوح ولوط وإبراهيم وهودٍ وصالحٍ وموسى وسيدنا محمد عليهم السلام..

وبالمناسبة فقد استمعت مؤخرا لحديث خص به عالم بريطاني إحدى القنوات الغربية، حول موجة تسو نامي التي حسب دراسات علمية،  ستضرب في المرة القادمة لا قدر الله،في جزيرة لاس بالماس، وستتجه رأسا نحو المدن الأمريكية، وستكون قوة تدميرها عالية جدا، حيث ستخترق المياه بسرعة تضاعف سرعة الطائرة، وسيبلغ طولها 40 كلم، كما سيصل علوها إلى أكثر بكثير من علو موجات مد آسيا، من الأمتار!!!!..

فهل تعي أمريكا الرسمية قبل فوات الأوان أنها تحفر نعش مواطنيها بسياساتها الظالمة، وأن  “تمثال الحرية” الذي تعتزُّ به يجب أن يسمى الآن:” ِتِمْثَال الانتحار”!،  وأنه (أي  التمثال) الذي كان يحمل  مشعلا موجها إلى السماء، يجب أن يحمل الآن مسدسًا موجّها إلى رأسه (أي رأس أمريكا)، وبالتالي فعوض طرح السؤال السينمائي الذي سوّقته إدارة بوش  إبان أزمة ما بعد 11  سبتمبر، (لماذا  يكرهوننا) عليها أن تطلق الآن سؤالا أكثر صدقا  تحت عنوان : لماذا أكره نفسي؟!..

ذة.فوزية حجبي

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *