اللعن الإلهـي والرســالي لليهود في القرآن الكريم


 

التحريف في العقيدة(2)

لقد أنكر اليهود نبوة عيسى عليه السلام لما ظهر ،إذ كانوا ينتظرون مسيحا منهم ،كي يخلصهم من سيطرة الأميين، لا من خطاياهم الخلقية الكثيرة . و لهذا استكبروا و عتوا و رموا سيدتنا مريم بالزنى لأنها ولدته من غير أب .و نعتوه بأقبح النعوت،و افتروا عليه افتراء كبيرا،حتى قالوا في تلمودهم : (إن يسوع مات كبهيمة،و دفن في كومة قذرة حيث تطرح الكلاب و الحمير)(31).و ذكروا : أنه مجنون و مضلل، و ساحر و شرير، و أنه غير شرعي و أن أمه حملت به و هي حائض ،و أنه صلب ، و أن تعاليمه كلها كذب و كفر .

أ لا لعنة الله عليهم . لهذا قال الحق سبحانه : {لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داود و عيسى ابن مريم}(المائدة : 80).

و قد قال الله تعالى مبينا حقيقة عيسى عليه الصلاة و السلام، و هو نبي و رسول عظيم يعتبر من أولي العزم : {إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون الحق من ربك فلا تكن من الممترين فمن حاجك فيه من بعد ما جاءك من العلم فقل تعالوا ندع أبناءنا و أبناءكم و نساءنا و نساءكم و أنفسنا و أنفسكم ثم نبتهل فنجعل لعنت الله على الكذبين}(آل عمران : 59- 61).فقد طلب منهم الحق سبحانه في عهد سيدنا محمد صلى الله عليه و سلم إن لم يفهموا حالة عيسى، بأن يقيسوا حالته على حالة آدم، ليفقهوا الجواب ،فالذي خلق آدم من تراب دون أب و لا أم قادر أن يخلق عيسى دون أب !.

و لهذا آذوه ،و زعموا أنه قتل و صلب ،فبرأه الله مما قالوا ،و لعنهم .قال سبحانه : {و قولهم إنا قتلنا المسيح عيسى ابن مريم رسول الله و ما قتلوه و ما صلبوه و لكن شبه لهم و إن الذين اختلفوا فيه لفي شك منه ما لهم به من علم إلا اتباع الظن و ما قتلوه يقينا بل رفعه الله إليه و كان الله عزيزا حكيما}(النساء : 157- 158).

و قد اتبع النصارى قول اليهود في هذا،و قالوا هم كذلك بقتله و صلبه.فرد الله عليهم : {إذ قال الله يعيسى إني متوفيك و رافعك إلي و مطهرك من الذين كفروا و جاعل الذين اتبعوك فوق الذين كفروا إلى يوم القيمة ثم إلي مرجعكم فأحكم بينكم فيما كنتم فيه تختلفون}(آل عمران : 55).

و تتفق كتب اليهود و النصارى على رواية قتل المسيح و صلبه، كما ورد في التلمود و الأناجيل المختلفة ،مما يدل على تأثير اليهود على النصارى في هذا .ففي التلمود : {أنه لقي ميتة حقيرة بشنقه في ليلة عيد الفصح اليهودي ، عقابا له على جرائمه و عقوقه} .

ولم يشذ عن هذا القول إلا إنجيل برنابا الذي ورد فيه ما يأتي : (و قال برنابا إن المسيح عليه السلام لم يقتل و لم يصلب)(33)

وإنجيل برنابا هذا غير مقبول لدى النصارى و مجاميع ديانتهم و كنائسهم، لأنه خالفهم في كل عقائدهم ،فهو ينكر التثليث و الصلب كما ينكر ألوهية عيسى.

ولم ينتهوا عن إيذاء الأنبياء و الرسل الأسبقين ،بل آذوا خاتمهم رسول الله محمد  أشد الإيذاء،مما يدل على أن خبثهم و مكرهم متوارث ،و قابع في نفوسهم،يكشفونه في الأزمنة المتتالية ،متى رأوا الظروف مواتية ،أو أن مجاري الأمور لا تتلاءم و مصالحهم.

و لهذا قال الحق سبحانه: {و الذين يؤذون المؤمنين و المومنت بغير ما اكتسبوا فقد احتملوا بهتنا و إثما مبينا}(الأحزاب :58).

و ذكر ابن هشام في سيرته أن يهود بني النضير حاولوا قتله بإلقاء صخرة عليه قرب جدار من بيوتهم.

و لما عجزوا حاولوا إيذاءه بالسحر كما فعل اليهودي اللعين لبيد بن الأعصم،و لكن رحمة الله عز و جل تداركته فعافاه الله.

كما ذكر البخاري في كتاب الهبة ،و مسلم في كتاب السلام عن أبي هريرة : لما فتحت خيبر أهديت للنبي  شاة فيها سم، فقال النبي  : أجمعوا لي من كان ها هنا من يهود،فجمعوا له ثم قال :هل أنتم صادقون عن شيء إن سألتكم عنه ؟ قالوا : نعم يا أبا القاسم.قال : هل جعلتم في هذه الشاة سما ؟ قالوا : نعم . قال : ما حملكم على ذلك ؟ قالوا : إن كنت كاذبا تستريح،و إن كنت نبيا لم يضرك(34).

و روى البخاري في كتاب المغازي  أن رسول الله  قال في مرض موته : (يا عائشة ما أزال أجد ألم الطعام الذي أكلت بخيبر فهذا أوان انقطاع أبهري من ذلك السم)(35).

هذا هو تاريخ سلوك اليهود الذين لعنهم الله والأنبياء و الصالحون من الناس.

و لم يكتف التاريخ بذكر هذه الأعمال بل أجرموا جرما عظيما باعتدائهم على حرمات الخالق سبحانه عز و جل.ذلك أنه إذا طبع على قلب الكافر انقلبت الرؤيا عنده ،فما كان باطلا في أصل الشرع رآه حقا ، و ما كان حقا رآه باطلا.و هذا سبب تطاولهم على الله عز و جل ،إذ قال الملعونون   :

> – أرنا الله جهرة : عيانا و مشاهدة .فرد الله عليهم : {و إذ قلتم يموسى لن نومن لك حتى نرى الله جهرة فأخذتكم الصعقة و أنتم تنظرون ثم بعثناكم من بعد موتكم لعلكم تشكرون}(البقرة : 55- 56). حيث سلط الله عليهم صاعقة أماتتهم، ولولا دعاء موسى عليه السلام و مناشدته ربه، لبقوا على حالهم من الفناء .قال : {أ فتهلكنا بما فعل السفهاء منا} فرد الله لهم الحياة .قال سبحانه : {ثم بعثنكم من بعد موتكم لعلكم تشكرون} و طلب منهم أن يتوبوا ،و يأخذوا كتاب الله ،و لكن هيهات هيهات. فقد صارت قلوبهم غلفا. قال الله فيهم : {وقالوا قلوبنا غلف بل لعنهم الله بكفرهم فقليلا ما يومنون}(البقرة :88). و قال : {و قولهم قلوبنا غلف بل طبع الله عليها بكفرهم فلا يومنون إلا قليلا}(النساء :154).

> – و طلبوا أن يكلمهم الله: فقد طلبوا ذلك من رسول الله  استهزاء {و قال الذين لا يعلمون لولا يكلمنا الله أو تاتينا آية} .فرد الله عليهم تطاولهم و استهزاءهم : {و ما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو من وراء حجاب أو يرسل رسولا فيوحي بإذنه ما يشاء إنه علي حكيم}(الشورى :51).

> -وو صفواالله عز و جل بالبخل والفقر : و هذه أبشع الصور و التعنت فيهم.حيث وصفوا الحق سبحانه بهذه الصفات التي تتنافى مع ألوهيته و جلاله .فهو الغني المغني، و الإنسان هو الفقير المفتقر إلى الله.فرد الله عليهم : {و قالت اليهود يد الله مغلولة غلت أيديهم و لعنوا بما قالوا بل يداه مبسوطتان ينفق كيف يشاء} المائدة.64.

و قد ذكر ابن كثير في تفسيره  أن الآية نزلت في شاس بن قيس اليهودي. فعن ابن عباس قال : قال رجل من اليهود يقال له شاس بن قيس : إن ربك بخيل لا ينفق فأنزل الله : {و قالت اليهود}و قد قالوا هذا ليبرروا بخلهم،رغم أن الله سبحانه بسط لهم من الأرزاق و الأموال الشيء الكثير، و أغدق عليهم من النعم ما لم يكن في حسبانهم، و مع ذلك طغوا و غووا و تجبروا، و قالوا : {إن الله فقير ونحن أغنياء} فرد الحق سبحانه افتراءهم : {سنكتب ما قالوا و قتلهم الأنبياء بغير حق و نقول ذوقوا عذاب الحريق  ذلك بما قدمت أيديكم و أن الله ليس بظلام للعبيد}(آل عمران : 181- 182).

و ذكر أبو السعود أنه لما كتب رسول الله  مع أبي بكر ] إلى يهود بني قينقاع، يدعوهم إلى الإسلام، و إقام الصلاة ،و إيتاء الزكاة، و أن يقرضوا الله قرضا حسنا.فقال فنحاص : إن الله فقير حتى سألنا القرض. فلطمه أبو بكر رضي الله عنه في وجهه،و قال : لولا الذي بيننا و بينكم من العهد لضربت عنقك،فشكاه إلى رسول الله  وجحد ما قاله فنزلت : {من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا}(البقرة. 245).

بهذا يبدو تحريف اليهود كبيرا و بارزا في شق العقيدة ،ينأى عن مقاصد الشريعة الإلهية الحقة. فلم يكن هذا إلا نتيجة ما تمليه الأهواء و المصالح . والناظر في تاريخهم يتبين له أن ذلك لم يكن إلا من آثار اللعنة الإلهية عليهم . و هذا ما ركب فيهم شعور الإحساس بالنقص و المذلة  الدائمين ،و الذي عوض لديهم شعورا بالاستعلاء و السلوك العدواني الوحشي . يشهد على ذلك اعتداؤهم على أرض كنعان، و غزوهم الدائم لأراضي غيرهم حتى زماننا هذا ، منطلقين في ذلك من منظور ديني منحرف عن الشرع الإلهي و جادة العقل ومواثيق السلم الدولية.

———

31- كتاب فضح التلمود . ص : 66.

32- التلمود : كتاب أحبار اليهود أثناء السبي البابلي حوالي القرن اخامس الميلادي و ضمنوه تعاليمهم الدينية،و هم يرون أنه مكمل للتوراة التي فيها شريعة موسى.و قد كتبوا  قبله تلودا آخر في أورشليم بحوالي قرنين من الزمن.و قد جمعوا شروحهما في كتاب واحد.و يرى اليهود أن هذا الكتاب أفضل من التوراة لأنه جامع لآدابهم و ديانتهم.و دارسه مقدم و مفضل على دارس التوراة.

33- إنجيل برنابا : ترجمه إلى الإنجليزية د. خليل سعادة. و قدم له السيد محمد رشيد رضا تلميذ الشيخ محمد عبده .طبعة دلر النشر .القاهرة.ص : 63.

34- البخاري.كتاب الهبة.باب فبول الهدية من المشركين 5/272.الفتح.

مسلم.كتاب السلام 4/1721.

35- البخاري.كتاب المغازي.باب مرض النبي صلى الله عليه و سلم و وفاته 7/737.

ذ.عبد القادر بعبد الله

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *