العام عام غيرنا ولكن المآسي مآسينا


حل العام الخامس بعد الألفين في التقويم الشمسي النصراني، وقد رأينا الجيش الأمريكي يحتفل بعيد ميلادهم في الفلوجة بين أنقاض الخرائب التي كانت بالأمس القريب بيوتا وأحياء ومدينة يقطنها الناس في أمن ودعة واطمئنان وأطفالهم يلعبون ويذهبون ويجيئون إلى مدارسهم والقوم يسعون إلى الصلاة وإلى ذكر الله في مساجدهم.

وبين عشية وضحاها تتحول المدينة إلى خرائب وأنقاض وأطلال دفنت الأثاث والإنسان، وقد نجا بنفسه من استطاع إلى ذلك سبيلا، وبينما نحن نشاهد بعض العائدين إلى خرائبهم ليجدوا بيوتهم وقد سويت بالأرض ولم يبق فيها إلا ركاما من التراب فوق آثاثهم وكتب أطفالهم ولعبهم وبقايا فراشهم وأغطيتهم وإذا بالكاميرا تنتقل إلى  الجانب الآخر حيث احتفالات الغزاة بذكرى ميلاد مسيحهم الذي كانت دعوته إلى المحبة والتسامح والتواضع والزهد والعفة،  كانت احتفالات طغى عليها روح الطغيان والجبروت، إذ كيف يغني القوم وينشدون وبالقرب منهم جثث المظلومين محترقة متفحمة، وأخرى ممزقة ومهترئة تفوح رائحة النتونة من اللحوم البشرية المنتشرة في المدينة إنه عامهم!! يحق لهم أن يحيوا ذكراه ويحتفلوا به بالطريقة التي تحتفل به هذه النماذج البشرية التي رُبيت على القساوة والغلظة والاستهانة بأرواح الناس وممتلكاتهم واحتقارهم وسحق كرامتهم مثلما فعل أجدادهم بالسكان الأصليين، بما أصبح يسمى اليوم في أمريكا وبالشعوب الأفريقية التي انتزعوها من بلادها واستعبدوها وقتلوا الملايين منها ثم استعمروها ومازالوا يثيرون الفتن فيما بين أنظمتها وحكامها وشعوبها.

إن العام عامهم لهم الحق أن يحتفلوا به حسب ثقافتهم التي تربوا عليها كما كانوا يحتفلون في الفيتنام  وكوريا ومازالوا يحتفلون في أفغانستان، وإنها ذكرى  ميلاد إلاههم هذا الذي يصلون له كلما أرادوا غزو بلاد المستضعفين.

أما نحن فلم نَجْنِ من هذه الاحتفالات والصلوات إلا المآسي والكوارث والطامات الكبرى، وما يزال طغاتهم مصممين على ترسيخ الاستعمار وتوطيد الاحتلال، فقد طلبوا ثمانين مليارا ميزانية إضافية لمضاعفة إجهازهم على العراقيين ابتداء من العام الجديد 2006.

إن لنا من أعوامهم الكوارث والمآسي والطوام والصاخات والقوارع وما شئت من تقتيل وتمثيل بالجثت وتشريد للأحياء وتهديم للبيوت وتخريب للمساجد وتقويض للمدارس وإفساد للزرع والنسل  بأنواع الأسلحة وآلات الدمار الشامل كما يقولون. وما آت أفظع وأشد وأقسى.

لكن  العجب أن في بلادنا ومن بني جلدتنا من يحتفل بأعياد ميلادهم ورأس سنتهم، يشعل الأضواء ويضع في بيته أو أمام دكانه أو مقهاه أو مخبزته شجرة الأرز وهي تشع بالأضواء وبجانبها أصنام البابا نويل، ويكتب : كل عام وأنتم بخير غير مكترث بما حل بقومه وما سيحل به في الغد القريب، فبئس العبيد هؤلاء وبئس الحثالة حثالة البشر هؤلاء الذين ابتليت بهم هذه الأمة العظيمة، وكأن الفلوجة ليست مدينة إسلامية وكأن أهلها ليسوا إخوانا لنا وكأن الشيخ الدوري ليس أحد كبار أئمتنا الشهداء، وكأن تلك المساجد المقوَّضَةَ صوامعُها والمخربةَ جدرانُها ليست مساجد الله ومعابد المسلمين.

ليت المسلمين يفعلون مثلما كان يفعل أجدادهم، يعلنون الحداد حتى يتخلصوا من هذا الاستعمار الغاشم ويتحرروا من أنياره (جمع نير : خشبة توضع على عنق البقر لتثبيته وتمنعه الالتفات). فإذا عيدوا أعيادهم الاسلامية (وهي اثنان فقط) أو احتفلوا بذكرياتهم المجيدة، فلتكن مناسبات لتأليف القلوب وتحرير العقول وتوحيد الصفوف وشحذ  العزائم وإيقاظ الهمم والتذكير بالمآسي والمظالم وإرشاد الحيارى  والإشعار بالواجب والتشبت بالدين والالتزام بالأخلاق وبالمزيد من بذل الخير والمعروف والحث على البر والتقوى وإعداد للقوى  جهدالاستطاعة لاسترداد حقوقنا المشروعة وعزتنا المنتكسة المغدورة وانتزاع قياتنا من غيرنا وإرادتنا من عدونا وإدارتنا من خصومنا والخائنين مناا متوكلين على الحي القيوم ومستنصرين به داعين سبحانه وتعالى أن يرفع أعلام الاسلام وينصر ه نصراًً معززاً، ويجعل لنا حسن العواقب بدعاء كل مسلم في الأرض أواب تائب : {إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقامكم} وعندئذ نحتفل بأعيادنا بما يليق بها في ظل نشيدنا العظيم : الحمدد لله الذي أعز جنده ونصر عبده وهزم الأحزاب وحده..

د.عبد السلام الهراس

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *