الشاعر المعلم والقدوة : لماذا يُستبعدُ من التآليف المدرسية الجديدة؟


 

قال لي  يوما جازراً : “أخشى أن يحدث لَكِ ماحدث للمتنبي مع بني ضبة”

أذكر أنه في سنة 1994 كُرم الشاعر محمد الحلوي في مهرجان ربيع فاس ورفعت الجهة المكرِّمة (المجموعة الحضرية لفاس الكبرى) شعار ملتقاها الشعري السادس : القصيدة العمودية في مواجهة التحديات. وأذكر أيضا أنه في سنة 1999 ـ على الأرجح ـ كُرم الشاعر من لدن جمعية فاس سايس وقد نال المُكرَّم أثناءها وساما ملكيا من درجة فارس. كما كُرم بمدينة أصيلة فيما يبدو.

ويظهر أن الشاعر -على  ذلك- لم ينل حظه الوافي من التكريم في حياته شأن غيره من الشعراء الكبار أمثال شوقي والجواهري وغيره من المبدعين المغاربة أمثال المجاطي، ومحمد شكري…

كان الحلوي شاعرا متواضعا كثير الصمت مبتعدا عن الأضواء. لا يبحث عن الشهرة كما يفعل شعراء محسوبون على الشعر، ولعل أنفتههذه اقترنت بطبع رائع لا يتوفر إلا لشاعر أصيل، فهو الشاعر الذي كان إذا حَدَّث لم يدخل في نميمة شعرية ولم يلمز شعر أحد ولم يطعن في ذاك… ولكنه في كثير من اللين والحياء والثقة بالنفس لم يكن يخفي انتصاره لعمود الشعر ويحذر من ركوب موجه الغموض المفضية إلى الإسفاف دون أن يقصد شاعرا بعينه.

لقد ظل الحلوي -لإيمانه بالعمود الشعري، ولما يزيد عن نصف قرن- شاعر المغرب الأول، صال في القصيدة العمودية ملتزما بقضايا أمته الصغيرة والكبيرة، يفرح لأفراحها ويحزن لأحزانها. عرفناه صغارا في (ماسح الأحذية) و (الشحاذ) وحفظ المتعلمون عنه (قسم المسيرة) ثم دَرَّسناه كبارا لتلاميذنا يمتحون من أصالة شعره وسمو معناه وروعة بيانه والقيم النبيلة التي يدعو إليها. وكان انتشار الشاعر في التآليف المدرسية تكريما ظفر به من وزارات التعليم المتعاقبة ومن المدرسين والمتعلمين الذين كَلِفوا به وأحبوه، ويأتي حين من الدهر وتتغير التآليف المدرسية مؤخرا، وتخرج إلى  الوجود أخرى مبتسرة قميئة تتذرع بالكوني والإنساني  والحقوقي، وتلهج بالحريات كما يريدها الكبار المتغطرسون، ولا يُلتفت فيها إلى القيم الأصيلة النابعة من صميم الشعر فإذا الشاعر الكبير لا وجود له في هذه التآليف. وإذا شعراء أقل منه شاعرية ووزنا حاضرون على الصفحات.. وساءلت نفسي : أهي الصدفة التي عملت على إقصاء شاعر في حجم الحلوي أم هي تعليمات خاصة، ومن جهة ما، لممارسة هذا الإقصاء؟.

ولا أخفي أنني استبعدت أمر الصدفة لعموم الظاهرة في جل التآليف، وتذكرت صراع الشاعر مع المرض ومع إدارته التي حرمته من أجر تقاعده الزهيد، فاستقر عندي أن في الأمر حبكة محبوكة يعلم الله من سَدَّى ومَدَّ خيوطها.

وهكذا أُقْصِيَ الشاعر الكبير معلم الأجيال وقدوتها، وهو المتواضع الزاهد الحريص على تقويم الطبائع والسلوك، لا أنسى مرة وأنا لا زال ـ في غواية الشعر ـ غفر الله لي ـ أنني كتبت قصيدة ساخرة فأرسل الشاعر إلي رسالة عتاب زاجرة وقال لي بالحرف الواحد : “أخشى أن يحدث لك ماحدث للمتنبي مع بني ضبة”. من يومها بدأت أعيد صياغة منظومات أخلاقية لما يجب أن يكون عليه الشاعر الأصيل.

هكذا كان الشاعر، معلما في مواقفه، مترفعا وداعيا إلى  الترفع عن السفاسف لا يخوض إلا في ما يفيد الأمة والإنسانية،  بل مُسَّ في شاعريته مسا خطيرا حينما استبعد من المقررات الدراسية وكأنها محاولة لغسل الذاكرة من إنتاج شاعر كبير من معيار الحلوي.

وقد آن الأوان لأن ترتفع الأصوات الحرة منددة بهذا الإجحاف الذي لحق الشاعر ومستقصية دواعيه، ويبقى الحلوي  رغم أنف المتطاولين والمتشاعرين والجهلاء، شاعر الاسلام وشاعر العروبة وشاعر المغرب الأول، لأن البقاء للأسلم والأجود والأرقى.

وأرجو مع ذلك ألا يكون آخر الشعراء العموديين، وأن يعمل الموهوبون من الشعراء على فتح هذا المعقل، وألا يفل عزمهم ما يشيعه المغرضون عن موت الخليل، على أن يتنبه الشعراء العموديون إلى ما يمكن أن يسقطوا فيه من أخطاء جمالية قد تصيب مقتلا من القصيدة العمودية، فيجنون عليها أكثر من جناية أعدائها. وأتمنى  أيضا أن تستحدث الجهات المخلصة للثقافة جوائز مغاربية أو عربية تحمل اسم الحلوي وتخلد ذكره بين الأجيال، وفي هذا بعضٌ مِنْ رد الاعتبار لهذا الشاعر الكبير.

ذة.أمينة المريني

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *