الإنصاف ضد الإجحاف


 

الخائفون من التاريخ…!

تطفو على سطح الحياة الفكرية عندنا -منذ أمد غير بعيد- ظاهرة التاريخانية، وهي ظاهرة التعلق بالتاريخ، كتابة، وتدوينا، “وتصحيحا”، وجمعا، وتوثيقا، تحت شعار إعادة كتابة التاريخ…

وقد أفرزت، ظاهرة التاريخانية، هذه، ألوانا من “الغثائية”، أو الفقاقيع، التي تعلو على حساب البحث عن الحقيقة، وتدوين الحدث، والوصول إلى ما ينفع الناس، وتحت تأثير هذه “الغثائية” في المنهج والموضوعية، غاب البحث التاريخي الأكاديمي المنظم، وحل محله التاريخ الإديولوجي، الحزبي، الذاتي، الانفعالي، الذي همه نبش القبور، وإخراج غلّ ما في الصدور، ومحاولة اصطياد النسور والصقور.

لقد دخل حلبة السباق التاريخي -إذن- كل من يكتب جُملاً، ومن تكتب له فقرات، وتعددت ألوان الكتابات، باسم الشهادات تارة، والمذكرات تارة أخرى، وباسم التحقيقات أحيانا، والرسالات الجامعية أحيانا أخرى.

وكان القاسم المشترك الأعظم في كل هذا “جهاد نوفمبر” المقدس الذي خاضه شعبنا الجزائري بمختلف فئاته وطوائفه، فكانت المتاجرة بهذا الرمز الخالد، وكانت محاولة الاستئثار به، وفصله عن الجهاد الوطني الممتد، إعداداً وإمداداً، واستعدادا، واستشهادا.

ذلك أن جهاد نوفمبر، لم يكن إلا النتيجة الحكيمة، للمقدمة السليمة.. وما المقدمة السليمة إلا التصدي للتحدي، بالتثقيف، والتأليف، وبث الوعي، وتصحيح سبل السعي، والإبقاء على شعلة الأمة عالية، مضيئة في قلب القاعدة، وفي عقل القمة..

ولكن هذه الغثائية في التاريخ، خلطت الأدوار، و”بلبلت” الأفكار، وغيبت المجاهدين الأخيار، وفتحت التاريخ الجهادي المقدس، أمام “المجاهدين” المزيفين الأشرار، تجرأت “الغثائية التاريخية” على رموز العلم والسياسة، فنزعت عنهم القداسة، ووصفتهم بشتى ألوان الجبن، والعمالة، والنخاسة، والتعاسة، لتبرز على حسابهم المدخولين في تاريخهم، من الذين لا يعدو أن يكون دورهم في التاريخ، كدور السائح في البلاد الأجنبية، يفتح بها عينيه، ولكنه لا يرى بوضوح ما فيها لأن على عقله عصابة، وعلى قلبه غشاوة…

إن الذين لم يكتووا بنار الثورة، من داخل أوارها، ولم يتغلغلوا في أتون مقاومة شعبها، ولم يذوقوا عذاب العدو وتعذيبه إنما هم “صعالكة التاريخ”، لأن ما يكتبونه عن تاريخ الجهاد والمقاومة، يفتقر إلى القريحة التاريخية، التي تغذيها المشاعر الشعبية، ويصنعها نبض الوعي الشعبي وشعوره، وما أولئك بالمؤرخين.

إن الذين عاشوا تاريخ الجهاد الوطني داخل الإعداد والاستعداد الشعبي، ليذكرون فواصل زمنية مليئة بالألم والأمل في تاريخ هذا الشعب، وكل فاصلة زمنية محطة تاريخية حبلى بالوقائع والمعاني، وها هي ذي ذكرى 11 ديسمبر، كحلقة في سلسلة الحلقات المضيئة.. إن هذه الذكرى تعيدنا إلى حيثيات الانتفاضة الشعبية، التي صنعتها جداول أحياء بئر مراد رايس، والمدنية، وبلوزداد، والقصبة، وباب الواد، لتخرج في تحد شعبي هدار، صعد عاليا، زئيره فأصم آذان الأعداء، وقدم للعالم أبلغ معاني الوفاء، والولاء، لجبهة التحرير الوطني حاملة اللواء في ما يشبه الاستفتاء.

إنني أذكر -وما بالعهد من قدم- حين جاءني أخي سي يحي مسؤول “السكنور” بحي بئر مرادرايس، مدَّ اللهُ في حياته ومتعه بالصحة، جاءني إلى مدرسة “السنية” بحي بئر مرادرايس، فوضعنا خطة للشعارات التي طلب مني أن أكتبها بالعربية والفرنسية على قطع من القماش الأبيض الكبير لترفع في المظاهرة، ومنها “الجزائر مسلمة” تحيا الجمهورية الجزائرية” “تحيا الحكومة المؤقتة” “تحي جبهة التحرير الوطني” إلى غير ذلك؛ وقد زلزلت هذه الشعارات أركان العدو وجيشه، لأنها أظهرت بما لا يدع مجالا للشك مدى تعبئة الجماهير الشعبية، وبذلك صنعت هذه الجماهير شعار “بطل واحد، هو الشعب”؟.

وما كان لهذه الجماهير الشعبية أن تخرج بهذه التعبئة الواعية، لولا عمل توعوي علمي دؤوب، وتجنيد سياسي حزبي مثوب، فما بال بعض غثائيي التاريخ -عندنا اليوم- يجرؤون على طمس معالم الحقيقة، وينفثون سموم ألسنتهم وأقلامهم، في أبعاد الجزائر العريقة والعميقة.

لقد بان لكل ذي عينين -اليوم- البون الشاسع بين من  أخلص روحه للجزائر، وأسلم وجهه لرب الجزائر فجاهد مخلصا، على كل الجبهات وبين “مجاهدي طايوان” الذين اندسوا في صفوف الشعب على حين غفلة من أهله، فلم يكتفوا باحتلال المواقع، وتزييف القرارات، والانشغال بعملية خذ وهات، وإنما حولوا الوطني إلى خائن والخائن إلى مجاهد.. فيَالله لأمة الجهاد والمجاهدين ويا لظلم الشهداء والمعطوبين، احترنا والله في هذا التجني على التاريخ الوطني باسم التزييف… وعلم ظلم الرموز، ونبش قبورهم، وماضيهم المشرق، باسم التحريف وتحت طائلة التخريف!.

إننا باسم الإنصاف ضد الإجحاف، وباسم الخوف على التاريخ من الخائفين من التاريخ، نشكو إلى الله والأمة عقوق بعض أدعيائها، ونتمنى أن تثأر الأمة لنا من زمن الردة والرداءة، الذي شِيمَتُه الغدر، وخصوصيته القهر، ومظاهر تسلطه، التهتك والعهر.

إن الوفاء للتاريخ، يبدأ بالوفاء لمقومات الأمة، وثوابتها، وإزالة أعراض الغمة ومنابتها، فلا تاريخ خارج الوفاء لوحدة الوطن، ولا تصحيح خارج تصحيح عروبة لسان المواطن، وعقيدة إسلام الوطني..

وإن الثبات لن يكون إلا للذين وضعوا ثوابت الوطن والأمة وجاهدوا في سبيل تثبيت، وتعميق هذه الثوابت في عقول وقلوب أبناء هذا الوطن شمالا وجنوبا، وشرقا وغربا…

وويل للتاريخ ممن يخاف من التاريخ، ولا يكتب التاريخ الحقيقي لثورتنا وجهادنا، ووطننا إلا الغيورون على هذا التاريخ، الخائفون عليه من صعالكة التاريخ، والمدخولين في تاريخهم، والخائفين من تابة التاريخ الصريح والصحيح.

عن جريدة البصائر الجزائرية

عدد 218   دجنبر 2004

——-

هامش على المتن :

ما أشبه اليوم بالبارحة!!

وما أشبه المغرب بالجزائر!!

تخوين المناضل، وتكريم الخائن!!

أو على الأقل : رد الاعتبار إلى أبناء العشيرة الحزبية الاديولوجية -فقط- في زمن الإنصاف والمصالحة مع “المجهول”.

والسؤال غير المسؤول :

ما بال “المنصفين الجدد” تعجز ذاكرتهم ولا تسعفهم سجلاتهم على “إنصاف” المظلومين حقاً؟ ألأنهم لم يتربوا في “الحظيرة التقدمية”؟.

د.عبد الرزاق قسوم

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *