أمان المساجد من دمار زلزال تسونامي


حماية بعض المساجد من دمار الزلازل التي وقعت جنوب شرق آسيا أمر لافت للنظر، ولا يمكن أن يمر علينا هكذا؛ فلماذا المساجد بالذات مع كونها أحد الأبنية التي يبنيها الإنسان بيده كغيرها من البنايات الأخرى؟!

صور من أمان المساجد

قبل الحديث عن رؤية ما حدث أنقل لكم صورا مما نقلته بعض وسائل الإعلام كوكالة الأنباء الفرنسية وقناة الجزيرة وغيرهما:

يقول “توكو كاووي” أحد رجال الدين في باسي لوك إلى الشرق من مدينة بندا آتشيه عاصمة الإقليم الواقع في شمال إندونيسيا: “نجا مائة هرعوا إلى مسجدهم حين زحف الموج القاتل على بلدتهم مدمرا كل شيء في القرى الخمس  المجاورة إلا مسجدهم الذي وقف فوق الدمار”.

“وعلى امتداد السواحل التي اكتسحها المد مدمرا كل شيء في سبيله ظلت المآذن واقفة تومض بتحد في وهج الشمس، ورأى الناجون في ذلك “يد الله الممدودة لتحمي بيته منالدمار”، كما يقول “مخلص خيران” الذي رأى بيته يجرفه التيار في ضواحي عاصمة الإقليم بندا آتشيه فيما بقي مسجد الحي سليما.

“وفي قرية كاجو في ضواحي بندا آتشيه أيضا دمرت مئات المنازل، ولم يبق صامدا إلا مسجد، كل ما تعرض له هو بعض الشقوق في جدرانه. وفي مووبولا على الساحل الشرقي لآتشيه قريبا من مركز الزلزال حيث قتل عشرة آلاف شخص على الأقل، برزت المساجد من بين الخراب شاهدة عليه، لكنها ليست جزءا منه كأنه تجسيد للقول الإندونيسي: “إنه لا أحد يمكنه أن يدمر بيت الله إلا الله ذاته”.

ويذكر “أشيار” الذي يقطن بعاصمة الإقليم بندا آتشيه أن غريزته نبهته لحظة دهم الموج أن يحتمي بمئذنة المسجد حيث تعلق بسلك كهربائي إلى أن انحسرت المياه، في وقت مات فيه العديد من أصدقائه الصينيين ؛لأنهم “فضلوا الاحتماء بالطابق الثاني من حوانيتهم حيث حاصرهم المد”.

“ورغم أن الكثير من عمران آتشيه الذي امتدت له يد الموج قد لا يرتفع فوق الدمار إلا بعد أشهر؛ فإن سكان عاصمة الإقليم حرصوا على أن يكون مسجد “بيت الرحمن” أول من يستفيد من أعمال الترميم؛ فقد حمى أجسادهم من الطوفان في لحظاته الأولى، وحمى أرواحهم من اليأس والقنوط في الساعات والأيام التي تلته”. انتهى.

أمان المساجد وقانون السببية

إن الناس في عالم الحياة لا يؤمنون إلا بالأشياء العقلية المجردة، أو تلك الأشياء التي يرونها بأعينهم حتى يصدقوا؛ فتكون العين مع العقل هما مصدر الإيمان، ولكن الله سبحانه وتعالى وهو الذي بنى الكون على قانون السببية، وأمر الناس بالأخذ بالأسباب، يلفت أنظار الخلق إلى شيء هام؛ فإن كانت الأرض تسير على قانون السببية.. فأين السببية قبل مجيء الخلق؟ إنها قدرة الله تعالى المطلقة التي لا يحيط بها مكان أو زمان؛ فأفعال الله تعالى ومشيئته فوق كل مشيئة، وقدرته ليس لها حدود، وقياس الإنسان قدرة الخالق بعقله ضرب من السفه؛ لأن العقل المفكر الذي يقيس هو شيء من خلقه؛ فكيف يكون العقل هو الحاكم مع كونه في الحقيقة هو المحكوم؟! ولكن العقل دوره هنا أن يدرك عظمة الخالق، وأن يؤمن بقدرته سبحانه وتعالى المطلقة؛ فيكون العقل مع القلب مصدر الإيمان الصادق.

ربما يظن الناس أن ما حدث من حماية المساجد وعدم تهدمها بآثار الزلازل، مع كون هذا يخالف كل القوانين البشرية العقلية ربما يظن أنه نوع من المعجزات، ولكن ليست هذه معجزة؛ لأن المعجزة تكون من الله تعالى لأحد من أنبيائه حتى يصدقوا ما أتى به إلى قومه، ولكن ليس في قاموس الله تعالى شيء معجز؛ فسبحانه {لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء}، إنها رسالة من الله تعالى، رسالة فيما حدث من الزلازل أن الكون إنما هو لله، يفعل فيه ما يشاء، ويقدر ما يشاء، سبحانه {لا يُسأل عما يفعل وهم يُسألون}، وأن الناس بما أوتوا من قوة وجبروت لا يعجزون الله تعالى، حاش لله؛ بل يدرك الناس أنهم ليسوا بمعجزين، ولكن عاجزين، وأنهم ليسوا فاعلين، بل مفعولين، وأن فعلهم للأشياء إنما هو من فضل الله عليهم، ومن رحمة الله تعالى بهم، وأنه نعمة منه؛ فحين يعطيهم شيئا يجب أن يوضع في الموضع الذي أحبه الله تعالى.

الأمر الثاني أن حماية الله تعالى لبيوته لمكانتها عنده سبحانه وتعالى؛ فهي كما ورد في الأثر: “وبيوتي في الأرض المساجد”، هي إشارة إلى مكانة هذا الدين العظيم الذي رضيه الله تعالى دينا للعالمين.

لماذا الزلازل في بلاد المسلمين؟

وقد يقول قائل: لكن هذه الزلازل أتت غالبا في بلاد إسلامية، ولو كانت آية من آيات الله لأتت على الأمريكان أو الإنجليز أو إسرائيل أو غيرهم ممن يحاربون الإسلام!

ولكني تذكرت أن الأمر قد يكون درسا كالدرس الذي تعلمه موسى \ حين صحب الخضر؛ فكان أول ما حدث له أن ركب معه السفينة، وكان أهل السفينة يعرفون الخضر عليه السلام، فلم يأخذوا منه ولا من موسى \ أجرا، وفي وسط البحر قام الخضر بأخذ بعض ألواح الخشب من السفينة فأفسدها، فتعجب موسى قائلا:{أخرقتها لتغرق أهلها لقد جئت شيئا إمرا}، فرد عليه الخضر: {قال ألم أقل إنك لن تستطيع معي صبرا}؛ أي لن تدرك الحكمة من أمر الله، فلما حدث له الشيئان الآخران، وطلب موسى من الخضر أن يفسر له ما حدث قال له الخضر: {أما السفينة فكانت لمساكين يعملون في البحر فأردت أن أعيبها وكان وراءهم ملك يأخذ كل سفينة غصبا}؛ فقد أتلف الخضر السفينة حفاظا عليها من الظلمة الذين كانوا يأخذون كل سفينة يقابلونها؛ فحين يرون فيها العطب يبعدون عنها، ولربما كان في الأجندة الاحتلالية لإرهابيي العالم اليوم أن ينظروا إلى هذه البلاد، ولكن عسى الله أن يكون قد حفظها بما قدر لها، والله لا يقدر لعباده إلا الخير.

ولربما كان درسا للناس في هذا المكان وفي غيره أن يدركوا قوة اللهتعالى، وأن القوة لله جميعا، وأن لله جنود السماوات والأرض؛ فيتعظوا ويعتبروا، وأن تكون الزلازل طريقا إلى العودة إلى الله تعالى، وأن الله تعالى قد أعطاهم إشارة إلى هذا، وهي أن حفظ بيوته من بين كل البيوت والأماكن شاهد صدق، ودليل يهدي الناس إلى ربهم، ويعيدهم إليه، كما قال تعالى:{ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس ليذيقهم بعض الذي عملوا لعلهم يرجعون}.

مسعود صبري

> إسلام أون لاين

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *