افتتاحية : تجديدُ الارتباط بالدين وليس تجديد الدين


لقد كَثُرت اللقاءات والكتابات والصيحات المنادية بتجديد الدين وتطويره ليساير الأحداث والمستجدات في عالم المواصلات والمركوبات والمأكولات والمشروبات والملبوسات وما يتصل من قريب أو بعيد بهذه المجالات الخاضعة للتطوير في نطاق اجتهاد الإنسان واسْتمرار بَحْثِه عن أرْقَى وسائل الترفيه، وأنْعَمِ وسائل الراحة، وأكْرَمِ سُبُل العيش الكريم في الكون المسخَّر للإنسان.

إلاَّ أن هذه النداءاتِ لا تخْلُو من مُخَادعةٍ مقصودة، أو جَهْلٍ مركَّبٍ، أو سطحيَّةٍ فكرية تُضْحِك صاحبها على نفسه قبل أن تضحك عليه الناس، ذلك أن الثوابت في الكون والإنسان والقيم كثيرة لا يكاد يأتى عليها الحصر، والدينُ من الثوابت، فكيف يتغيَّّر الدين ولا تتغير الثوابت الأخرى، والدِّين أنزله الله تعالى متناسباً ومنسجماً مع الثوابت الكونية والإنسانية، لكي يتعايش الإنسان في تصالحٍ تام مع محيطه، وإلاَّ انقلبَ الكونُ حرباً على الإنسان، ومَنْ حاربه الكونُ كان من الهالكين قطعاً، أليس البحر من أعظم النعم المسخّرة للإنسان؟! إلاَّ أنها في المقابل ألَمْ تَطْوِ فِرْعون المتمرِّد على خالقه في أحشائها؟! والريح أليست من أعظم النعم؟! ومع ذلك ألَمْ تكن سبَبَ هلاك قوْمِ عاد المتمردين {إِنَّا أرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحاً صَرْصَراً فِي يَوْمٍ نَحسٍ مُسْتَمِرٍ تَنْزِعُ النَّاس كَأَنَّهُم أعْجَازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ}(سورة القمر).

والعجيب حقا أن الأعاصير المتعددة بأسماء مختلفة لازالتْ تضربُ بقوة هذه الأيام في أمريكا الشمالية والجنوبية، بحيث يقف الإنسان بأعظم قواته العلمية والتقنية عاجزا أمامها، ومع ذلك لايومن بربِّ الرياح والأعاصير، وإنما ينسب ذلك إلى غضب الطبيعة التي لا عقل لها ولا فكر إلا في أوهام المَرْضى بالسفه والجنون، فَهَلاَّ غَيَّرُوا هذا الثابت؟! ثابت الغضب الرباني المُسَلَّط على شكل أعاصيرَ أو أمطارٍ طوفانية، أو جرادٍ أو فيران أو حشرات تهلك الحرث والزرع والضرع بإذن رب الكون والإنسان.

الثباتُ في الكون يتجلى في عدة مظاهر، منها :

اللَّيلُ والنهارُ، فمنذ خلق الله الكون، وهما كما قال الله تعالى {يكوِّرُ اللّيلَ على النّهارِ ويُكَوِّرُ النَّهَارَ على اللَّيْل} وكذلك الشمس والقمر {وسَخَّر الشَّمْسَ والقَمَر كُلٌّ يَجْرِي لأجَلٍ مُسَمَّى}(الزمر) فهل يستطيع الإنسان تغيير نظام دوران الأرض، أو تغيير نظام الأفلاك السائرة بتقدير العزيز العليم الحكيم؟! وكذلك الشأن في الأمطار والبحور والرياح والفصول وغير ذلك مما لا يتسع المجال لذكره، لأن كُلّ ذلك جعله الله ثابتاً وفق أسس وقوانين ربانيّة لدَلالة الإنسان على وجود الله عز وجل الذي ينبغي أن تسجد له الجبال بعد أن سجد كل ما في الكون لله تعالى.

والثبات في الإنسان يتجلى في ثبات فطرته وطبيعته وميوله، فالإنسان منذ كان وهو يجوع ويشبع، ويخاف ويأمن، وينتقم ويعفو، ويطمع ويأمل ويشتهي الأكل والنساء، ويحب النسل والخلف إلى غيره ذلك من الثوابت التي لا يستطيع الإنسان أن يُغَيِّرها في داخل نفسه، فلا يمكن للإنسان مثلا أن يجعل نفسه لا تجوع، ولا يمكن له في يوم من الأيام أن تُصْبِحَ الأكلةُ المفضَّلة لديه أطباقاً من الأحجار والأتربة والرمال، أو أطباقاً من الذهب والفضة والنحاس والحديد.. ولكنه مطبوع على اشتهاء أكل خاص، وعلى مَيْل خاص للأنثى من جنسه، فإذا خرج عن هذه الطبيعة سُمِّيَ شاذّاً، وسعى بنفسه إلى التهلكة.

والدِّين نزَل للإنسان المحكوم بفطرته داخل محيطه الكوني الذي يعيش فيه، فكان ثابتا لثباتِ مُنَزِّلِه الذي هو الله تعالى، وثباتِ فطرة الإنسان التي أنزل الله تعالى هذا الدين موافَقا لها، حتى يعيش الإنسان عابداً لله تعالى في غير قَهْرٍ ولا إكْراه، ولكن في لذةٍ عارمة، وحلاوة نفسية دائمة، تجدها في حَمْد الله تعالى وشكره على الأكل والشرب والنوم واليقظة والعلم والتعلم والصحة والعافية والمشي والجلوس، وطلاقة اللسان،والقدرة على التخطيط والتفكير، إلى غير ذلك من النعم التي لا تُحصى، ولا يَعْمى عنها إلا الجاهلون الذين حُرموا نُور البصيرة {إِنَّها لا تَعْمَى الأبْصَارُ ولَكِنْ تَعْمَى القُلُوبُ التِي في الصُّدُورِ}(الحج).

ولثباتِ الدين نجد أن الله تعالى قال : {شَرَعَ لكُم مِن الدِّينِ ما وَصَّى به نوحاً والذِي أوْحَيْنَا إِلَيْك وما وَصَّيْنَا بِهِ إبراهِيم ومُوسََى وعِيسَى أنْ أقِيمُوا الدِّين ولا تتفَرَّقُوا فِيه}(الشورى)، وقال لبني اسرائيل {وآمِنُوا بِمَا أنْزَلْتُ -أي على محمد- مُصَدِّقاً لِمَا مَعَكُمْ ولاَ تَكُونُوا أوَّلَ كَافِرٍ بِه}(البقرة)، وقال عيسى عليه السلام لقومه {وإِذْ قالَ عِيسََى ابْنُ مَرْيَم يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِي رسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُم مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التِّوْراةِ ومُبَشِّراً برَسُولٍ يَاتِي مِن بعْدِيَ اسْمُهُ أحْمَدُ}(سورة الصف).

وعلى هذا فالدين الذي هَدَى الله عزوجل إليه الإنسان الأول -آدم عليه السلام- هو الذي نزل على جميع الأنبياء والرسل، وهو الذي نزل على خاتِمِهم محمد عليه السلام، وهو الذي تضمَّنه الكتاب الأخير الموثّق توثيقاً تاما القرآن العظيم المهيمن على جميع الكتب السابقة، بتأكيد أصول الدين، وتصحيح ما حرَّفته الأهواء البشرية، ونسْخٍ ما لم يَعُدْ مناسباً للإنسان الذي بلغ أوج النضج والتطور.

وهذا الدين الثابت يتضمّن أصولا ثابتة لا قيام لدين بدونها، كما يتضمن وسائل ومحَسِّنات تدور في فَلَك تلْك الأصول المبادئ وإن تغيرتْ أشكالها وأسماؤها وتعددتْ آلياتها.

فالله عز وجل هو الأصل الأول في هذا الدينفلا قيام لدين بدون عبادة لله عز وجل ولا عبادة لله عز وجل بدون اتباع أوامره واجتناب نواهيه، فلا يمكن أن نتصور دينا قائماً مع عبادة الأهواء البشرية وتصنيم الطغيان، ولا يمكن أن نتصور دينا قائما مع ممارسة المحرمات في الأموال والأعراض والأخلاق وإن أجازها القانون، وصادق عليها المفترون.

أما الأصل الثاني في الدين فهو حفظ المصلحة العليا للإنسان، ولا كرامة لإنسان بدون عقل أو نفس أو عِرض أو مال أو دين، فالحفاظ على الأصل الأول الذي هو عبادة الله تعالى هو أساسٌ لحفظ مصلحة الإنسان وكرامته في الدنيا  والأخرى، فإذا ضُيِّع الأصل الأول انْهَدَم الإنسانُ وعاش شقيا ممْسُوخاً ملاحَقاً باللعناتِ بين الأكوان.

إذا كان الدين ثابت الأصول كثَباتِ الأكوان وثَبات فطرة الإنسان، فالتجديد للدين يكون له معنًى واحدٌ فقط ألا وهو تجديدُ معناه في النفوس، أي تجديدُ الارتباط به بعد غفلةٍ أو سهْوةٍ أو غواية، فيجدِّد الغافلُ العودة الصادقة لله تعالى، إخْباتاً وتضرعاً وإنابة، وطاعةً للأوامر واجتناباً للنواهي، ودعْوة للدين، وأمراً بالمعروف ونهياً عن المنكر على حسب القدرة والاستطاعة، وعملاً على تثْبِيت دعائم الدين في مجالات الأسرة والمجتمع، ومجالات السياسة والإدارة، ومجالات الأموال والأعراض والتجارة وغير ذلك من مجالات النشاط الإنساني التي لا يَغيبُ عنْها اللّه تعالى، فكيف تَغِيبُ مُرَاقبة الإنسان لله تعالى فيها؟!.

وهذا المعنى للتجديد هو غيرما يذهب إليه المجدِّدُون الحداثِيُّون، الذين لم تَسْلم الحداثة من تزويرهم فأرادوا أن يُزَوِّروا الدِّين افتراءًا على الله، وعلى النفس وعلى الإنسان، وذلك باحترافهم حرفةً الذين نهاهُم الله تعالى بقوله {ولاَ تَلْبِسُوا الحَقَّ بالبَاطِل وتَكْتُمُوا الحَقَّ وأنْتُمْ تَعْلَمُون}(سورة البقرة).

فهؤلاء التجديدُ عندهم هَدْمٌ لأصول الدين ومبادئه الأساسية، فالدين عِندهم عبادةٌ لإلهٍ لا يُشَرِّع ولا يَحْكم ولا يحاسِب ولا يعاقِب الإنسان لا في الدنيا، ولا في الأخرى التي لا يومنون بها، وإنما هو إلهٌ عاجِزٌ -تعالى الله عن ذلك- عن الإحاطة بمصلحة الإنسان العاجلة والآجلة حتى يستطيع التشريع له، وهو الإنسان الذي عَلاَ بعَقْله -المخلوق من ربه- فوْق رَبِّه معرفة وعلما وإدراكاً. هذا الإنسان الحداثِيُّ المؤلِّهُ لنفسِه وهوَاهُ وعَقْلِه، لا يعرف لنفسه قدْراً، ولا يطيق من أحَدٍ كُفْراً، ولكنه يريد لنفسه ديناً لم ينزل به كتابٌ ولا بُعث به رسول، وإنما دينُه الهوى وإلهُه الهوى، وميزانُه الهوى، وأخلاقُه الهوى.

وإذا كان الرسول  قال : >الحلالُ بَيِّن والحرامُ بيِّنٌ وبيْنَهُما أمورٌ مُشْتَبِهاتٌ< فهؤلاء لا يوجد حرام في دينهم الهوائي، فالخمر المُفْسدة للعقل لا اعتبار للتشريع الرباني الذي حرّمها مادام القانون أباح شربها، والزنا المفسد للعرض والنسل والمجتمع لا اعتبار للتشريع الذي حرّمها وحرم مقدّماتها مادام القانون لَمْ يُجرِّمها، والربا المهلكة للاقتصاد لا اعتبار للتشريع الذي حرّمها حرمة مغلظة مادام المرابون يُسيطرون على مفاتيح الصناديق المحلية والدولية…

وهكذا فإن هؤلاء الحداثيين يفهمون التجديد للدين فهما خاصا، كما يفهمون الديمقراطية فهما خاصاً لا يستقيم مع عقل أو عُرْف إنساني معتبر، وكما يفهمون المجتمع المدني فهما خاصا، والتكوين الأسري والاجتماعي فهما خاصا، لا يمكن أبداً أن يُساير المنهج الواضح للإسلام، ولا يمكن أبداً أن يكون سبيلا لإخراج أمة محترمة ذات رسالة، ويا ليت هؤلاء كانوا يهرِفون بما يعرفون، ولكنهم مع الأسف يهرفون بما لا يعرفون، ويفتلون في حَبْل الأجنبي الذي لا غاية له إلا مَحْو الدين من على ظهر الوجود، والله تعالى مظهر دينه ولو كره الكافرون.

اترك تعليقا :

Votre adresse de messagerie ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *