المؤسسة التعليمية المغربية بين الواقع المشهود والموقع الشاهد


الدكتور الشاهد البوشيخي

بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله على سيدنا محمد وآله، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم {ربنا آتنا من لدنك رحمة وهيء لنا من أمرنا رشدا} (الكهف : 10)

سيدور الكلام -إن شاء الله عز وجل- في هاته الكلمة على النقط التالية :

1- مقدمة في أهمية التعليم

2- الواقع المشهود في المؤسسة التعليمية المغربية

3- الموقع الشاهد أو المنشود في المؤسسة التعليمية المغربية

4- كيفية الانتقال من الواقع إلى الموقع

5- خاتمة في رسالة التعليم

مقدمة في أهمية التعليم

وأول ما أبدأ به قول الله تعالى  لرسوله  : {يا أيها النبيء إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا} (الأحزاب : 45- 46) وقوله تعالى لأمته {وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا} (البقرة : 143).

فموقع الشهادة إذن فيه وُضع رسول الله ، وله أُرْسِل.

وموقع الشهادة أيضا فيه وُضعت أمته، وللناس أُخرِجَتْ؛ وما خرجت لنفسها، وما خرجت وحدها، وإن الله أخرجها أساسا لغيرها، وهذا يفترض أن صلاحيتها لنفسها أمر مفروغ منه. والذي يجب أن يُعالَج هو تأهيلها لإصلاح غيرها، فهو يجعلها مؤهَّلة لأن تقوم بوظيفة رسول الله  حتى قيام الساعة، تلك الوظيفة التي ستظل شاغرة إذا غابت الأمة الشاهدة، وغاب فيها الشهداء، بالمعنى القرآني الأصيل.

والتعليم -أيها الأحبة- لكي نَقْدُرَه قدره، يكفي أن نذكر هذه الإشارات :

الإشارة الأولى : أن الله عز وجل حين أراد أن يصلح ما أفسد الناس أرسل مُعلِّمين، ورسول الله  -وهو أفضل الرسل- قال بالحصر : ” إنما بُعِثْتُ مُعَلِّما” (سنن ابن ماجة كتاب المقدمة رقم : 225).

فلفظة التعليم هي الأصل، وهي التي وردت في أول ما نزل على رسول الله  من هذا الكتاب العظيم : {اقرأ باسم ربك الذي خلق، خلق الإنسان من علق، اقرأ وربك الأكرم الذي علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم} (القلم : 51) علَّم الانسان كل شيء، مما يمكن أن يكون قد علمه أو سيعلمه، هو الذي علَّم العالمين، وعلَّم الإنسان ما لم يعلم؛ علَّم الأنبياء، وعلَّم أتباع الأنبياء، ويُعَلِّم كل من فيه قابلية للتعليم، ذلكم الله جل جلاله، حين أراد أن يصلح ما أفسد الناس بعث “معلمين” {كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين}(البقرة : 213)، الفساد الذي حصل لا يصلحه إلا المعلم، والفساد الحاصل لا يصلحه إلا المعلِّم، والمعلم لا يكون معلِّما حتى يَعْلَم، فمن أين يعلَم المعلِّم؟ إنما يعلَم ممن منه العلم؛ إذًا العلم كله من الله سبحانه وتعالى، هذه الإشارة في غاية الأهمية.

الإشارة الثانية : أن ما يسمى ب “الاستعمار” أو “الاستخراب” إنما بدأ من التعليم.

“الاستعمار” ذلكم الكائن الغريب الذي غزا العالم الإسلامي بحثا عن سد جوع غير طبيعي : جوع في عمقه وحقيقته وحشي، ليس جوعا إنسانيا، جوع إلى الثروة، إلى المال، وإنما السلطة مظهر من مظاهره، ووسيلة للوصول إليه، لأنه في عمقه لا يفهم مفهوم الإنسان كما نفهمه نحن ـ والذي حدد معالمه القرآن الكريم ـ الانسان الذي خلقه الله تعالى من طين، حتى إذا سوَّاه نَفَخَ فيه من روحه. هذا الإنسان لا يعرفه هذا الكائن الذي غزا العالم الإسلامي، وإنما يعرف إنسان المادة، ولا يزال يعرف إنسان المادة، ولا يزال يلهث وراء المادة، هذه حاله.

هذا الاستعمار من أين بدأ؟ وبم بدأ؟ إنما بدأ بالتعليم، فحين أسَّس المدرسة الغربية داخل المستعمرات استطاع أن ينتج نماذج بشرية، استطاعت حتى الآن أن تحافظ على وجوده، وعلى استمراره، واستطاعت حتى الآن أن تُمثِّل وضعية ما نسميه بالدارجة “العَزَّاب”. إنها تمتص الخيرات امتصاصا لتخْرِجَها إلى حيث يريد، هذا هو الوضع. ما خرج حتى أسس كل شيء عن طريق التعليم. وإن المرحلة الاستعمارية لم تُرَاجَعْ حقَّ المراجعة حتى الساعة؛ ما راجعها “الأدب” فأنتج القصص والمسرحيات التي تُجلي بطولات البادية والمدينة، وما راجعها “البحث العلمي” فكشف الخفايا في الزوايا وفي غير الزوايا… إن المرحلة الاستعمارية يجب أن تُحاكمَ من قبل أبناء الأمة الحقيقيين الذين يمثلون الاستمرار الطبيعي للأمة.

وهذا الأخدود العميق الذي بدأ حفره في المغرب منذ سنة 1912، حتى الآن لما يُطْمَرْ، ولذلك فالتعليم هو المنطلق، منه يأتي الخير كله أو يكاد، ومنه يأتي الشر كله أو يكاد.

ولا أُخْرِجُ من “التعليم” “الإعلامَ”، فله الوظيفة التعليمية المهمة جدا، أو هكذا ينبغي أن يكون؛ إنه تعليم جماهيري عام، ويمكن بواسطته أن تُعَلَّمَ الأمة العجَبَ العُجاب، يمكن أن يَحْدُثَ فيها التحوُّل المطلوبُ في مدة يسيرة جدا، بهذه القنوات التلفزية والمحطات الإذاعية وغيرها، فالإعلام ذو وظيفة تعليمية أساسا.

الإشارة الثالثة : أنه حين يُرَادُ إصلاح ما أُفْسِدَ فلا سبيل لذلك أيضا بغير المعلمين؛ من حيث بدأ التخريب يبتدئ التعمير، من نفس النقطة، لا سبيل إلى أن يحدث شيء بغير هذه الوسيلة.

هذه إشارات تجلي أهمية التعليم في ميزان الله أولا. ولذلك فهو مكمن الخطر، وهو مكمن القوة في الآن ذاته، لإصلاح الفساد في الأرض.

الواقع المشهود للمؤسسة التعليمية المغربية

وهو واقع لا تُحسَدُ عليه، كما هو معروف، ولكني أتكلم من زوايا ثلاث :

الزاوية الأولى : هي فشل هذه المؤسسة في تكوين وتخريج الأقوياء؛ قوة الشخصية التي من أسسها الكبرى وعلى رأسها قوة العلم والتجربة الشخصية؛ لابد أن يكون خريجو المؤسسة التعليمية المغربية أقوياء في شخصيتهم، واثقين بأنفسهم، قادرين على مواجهة الحياة، مؤسسين على قاعدة، >اليد العليا خير من اليد السفلى، واليد العليا المنفقة، والسفلى السائلة<(مسلم في كتاب الزكاة رقم : 1033)، ولذلك فهذه الظاهرة التي تسمى “البطالة”ـ على سبيل المثال ـ ليست فقط مظهرا لعجز الدولة، ولكنها أيضا مظهر لعجز التعليم، ولعجز أبنائنا أنفسهم، فهم لا يعرفون كيف يواجهون الحياة المواجهة اللازمة، قد وَقََرَ في أنفسهم أن الوظيف هو الأساس، وما هو بأساس، إن الوظيف هو حِرفة العاجز، وإن ما يُسَمَّى بالقطاع الخاص هو الذي يُسَيِّر القطاع العام، ليس عندنا فقط، بل على المستوى العالمي، إن فشل المؤسسة المغربية في تخريج “القوي” هو الذي جعلنا في هذه الوضعية المتردية التي لانحسد عليها، فجيلنا الذي يتخرج من المدرسة يَحَار ما ذا يصنع، إلا من رَحِمَ الله؛ ذلك بأن المدرسة لا تدربه على الحياة، ولا تدربه بالحياة في الحياة ؛ ينبغي أن يدرب أبناؤنا على إحسان السباحة في بحر الحياة قبل أن يتخرجوا، ويلقى بهم فيه، فعملية الربط بين المؤسسة التعليمية والمحيط الخارجي، يجب أن يكون تاما، ولكن من الزاوية الإيجابية لا من الزاوية السلبية.

وسأتحدث في الأخير عن رسالة التعليم هل ينبغي أن يكون قائدا أم مقودا؟

والزاوية الثانية هي فشل المؤسسة المغربية في تخريج وتكوين الأمناء، والقصد من الأمانة أساسا أمانة التقوى، أمناء يخافون الله قبل عباده، لأن الشخص الذي يخاف الله لا يحتاج إلى “المراقبة المستمرة”، ولا إلى “التكوين المستمر” في الحقيقة؛ لأنه يحاسب نفسه بنفسه قبل أن يحاسب من الخلق، يدفعه ما هو موجود باطن، أي ما هو كامن في قلبه دفعا إلى أن يطلب أعلى الدرجات في كل مستوى، لأنه كلما طلب الارتفاع في العلم، والارتفاع في التجربة، والارتفاع في القدرة المالية، وفي جميع المستويات كان مأجورا على ذلك، وكان متقدما إلى رضوان الله جل جلاله.

فالأمانة أساسا هي أمانة التقوى، وتَجَلِّيها في الكلام العادي هو أساسا أمانة الخُلُق الحسَن، وأنتم تعلمون أيضا واقع المؤسسات التعليمية المزري في هذا المجال، تأتيني ابنتي -على سبيل المثال- تشكو إليَّ في المدرسة، أنها حين لا تَقْبل أن تُعطي النتائج في الفرض إلى غيرها في القسم، يعاديها التلاميذ، ويعتبرونها غير سوية! وغير طبيعية !! كيف إذن تحول المنكر إلى معروف حتى   حاصر المعروف؟ ما هذا؟؟ إن الغش في الامتحانات صار قاعدة وسلمها الجميع! بل إنه وصل التسليم إلى حد أن بعض الأساتذة هداهم الله يكتبون الإجابات، رفقا بالتلاميذ، وما هو برفق، فالطبيب الحق ـ كما يقال ـ “لايكون رحيما” إذا كان يريد العلاج حقا، فينبغي أن يأتيه من أبوابه، {وليس البر بأن تأتوا البيوت من ظهورها، ولكن البر من اتقى، واتوا البيوت من أبوابها، واتقوا الله لعلكم تفلحون}(البقرة : 189). الذي يريد أن يساعد تلميذا لا ينبغي أن يساعده يوم الامتحان، بل يأتيه قبل الامتحان، ليوضِّح له ما ينبغي أن يُوضَّح، ويُفهِّمه ما ينبغي أن يفهم.

هذا، وحَدِّثْ ولا حَرَجَ عن أمور أخرى ما كانت تخطر ببال : في التعليم الأساسي يوجد بيع المخدرات في أبواب الإعداديات!! هذا واقع، لا فائدة من أن نستره حتى يزداد نتونة، ولذلك لا بد من علاج حقيقي.

إن المؤسسة التعليمية المغربية فعلا فاشلة في تكوين الأمناء من أبنائنا، إننا نعطي الأبناء لها في صورة مادة خام، فينبغي أن تَخْرُجَ هذه المادة الخام مُصَنَّعة أحسن تصنيع وأرفع تصنيع، نستطيع بها أن نواجه الواقع الذي نعيش، ونستطيع بها أن ننافس في المجال الدولي.

والزاوية الثالثة : هي أن المؤسسة التعليمية المغربية ناجحة جدا في تكوين وتخريج القابلين للاستعمار، على حد تعبير مالك بن نبي رحمه الله؛ كم يدور على الألسنة ـ على سبيل المثال ـ أن الجميع يريد أن يحارب إسرائيل، لكن بالاستهلاك للمواد الإسرائيلية، كلنا نعين إسرائيل، كلنا إسرائليون في الواقع العملي الميداني، وفي الاستهلاك اليومي، أنتم تعرفون طريقة غاندي في الهند يوم حارب أنجلترا، ما حاربها بالدبابات والطائرات؛ إذ هي على ذلك أقدر، ولكن حاربها الحرب الاقتصادية التي لا تَقْدِر عليها أية جهة، لأنها ما فعلت تلك الوسائل إلا من أجل الاقتصاد، فإذا حوربت في العمق، انتهى الإشكال، وإنما يكون ذلك بتشجيع الصناعة المحلية، والإنتاج المحلي، ونبذ هذه العجائب والغرائب التي تكون سببا في  التحكم، وأحسبها ـ والله أعلم ـ داخلة في قول الله عز وجل : {ضربت عليهم الذلة أينما ثقفوا إلا بحبل من الله، وحبل من الناس وباؤوا بغضب من الله}(آل عمران : 112)، هذا الحبل الأول : حبل الله في تمكين اليهود، يتمثل في الدرجة الأولى في عدم قيام المسلمين بالشهادة على الناس، بواجبات الخلافة عن الله سبحانه، والنيابة عن رسول ا لله ، فحقَّ عليهم القول أن يعاقبوا، وأحسن عقاب لهم أن يعاقبوا بالأذل : {ضربت عليهم الذلة أينما ثقفوا} ثم {الحبل من الناس} وهو هذا التشجيع الاقتصادي بالدرجة الأولى، والتشجيع الاقتصادي هو الحبل الذي نحن به مستمسكون، نشجع به هؤلاء الذين ضربت عليهم الذلة أينما ثقفوا.

فهل جاهد أمثال محمد أمزيان، أو محمد بن عبد الكريم الخطابي في الريف، أو موحا وحمو الزياني في الأطلس، او أحمد الهيبة في الجنوب أو غيرهم وغيرهم… هل قاوموا الاستعمار وجاهدوا وأريقت دماء، وذهبت أموال، من أجل أن يأتي أحفادهم على هذه الشاكلة، أو أن يصيروا في تبعية مطلقة لهذا الاستعمار الذي قاتلوه وجاهدوه؟ هذه كارثة : ألا تَفْقَهَ المدرسةُ لا تَوَجُّه الماضي ولا تَوَجُّهَ المستقبل.

الموقع الشاهد أو المنشود للمؤسسة التعليمية المغربية

في هذا الواقع المنشود سأقف عند ثلاث نقط :

النقطة الأولى : هي أن الواجب الأول، والوضع الطبيعي للمؤسسة التعليمية المغربية بحكم أ ن هذا البلد بلد إسلامي؛ بحكم التاريخ، وبحكم الانتماء الحضاري ـ هو أن تُكوِّن وتُخَرِّج الصالحين. والمغرب بلد قام ويقوم على الإسلام، ولو رَفَع رايةً أخرى كيفما كان نوعها لتشتَّت، ولتخرَّب، ولانتهى كيانه، إننا ـ كما عبر بعضهم ـ ما دخلنا التاريخ بأبي جهل وأبي لهب، ولكن دخلناه بأبي بكر وعمر]، إننا هنا في المغرب ما دخلنا التاريخ بكسيلة ويوغورطا، ولكن دخلناه بطارق بن زياد، وأمثال طارق بن زياد. بهذا دخلنا التاريخ في هذه المنطقة، وبهذا تكونت ذاتيتنا الحضارية. ولولا العبث العالمي، عن طريق المظلة الضخمة التي تسمى  باليونسكو، للحفرعن الجذور غير الإسلامية للأمم، لتكوين القوميات الضيقة، لما كان لكثير من الرايات الممزِّقة أن تُرفع.

إننا بلد إسلامي بكل المقاييس، وهذه الحال التي نجتاز مؤقتة، وإن ملامح الغد واضحة لذي عينين.

أقول : الواجب الأول على المؤسسة التعليمية المغربية ـ وهو الوضع الطبيعي ـ هو تكوين وتخريج الصالحين،والصالحون مقياسهم الآية الصريحة، لأن الله تعالى  حدد ألفاظه، وما كان لعبد، ولا لجماعة، ولا لطائفة، أن تُحْدِثَ تغييرا في ألفاظ القرآن، لأن الله تمت كلماته صدقا وعدلا، لا مبدل لكلماته، فقد قال عز وجل : {والذين آمنوا وعملوا الصالحات لندخلنهم في الصالحين} (العنكبوت : 9)؛ إذا لم يومن، ولم يعمل صالحا، فليس من الصالحين بحال، فالقرآن حدد مصطلحاته تحديدا دقيقا، فينبغي أن نفهم هذا، وكذلك سنة رسول الله. قال تعالى : {أم نجعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين في الأرض} (ص : 38) أبدا.

هذه النقطة الأولى، وهي واضحة لا نطيل فيها.

> والنقطة الثانية : هي أن الواجب الثاني على  المؤسسة التعليمية المغربية هو تكوين وتخريج المصلحين، وليس فقط تكوين الصالحين، لأن تكوين الصالحين مرحلة إعدادية بالنسبة لرسالة المسلم في العالم. وظيفة إعدادية تحضيرية. أما وظيفته الحقيقية فتبتدئ بعد، في هذه المرحلة، وبهذا يتحقق معنى {أخرجت للناس} وتعلمون أن الإصلاح متى بدأ، فإن له آثارا غريبة جدا في دفع البلاء عن الأمة الفاسدة قال تعالى : {وما كان ربك ليهلك القرى  بظلم وأهلها مصلحون}(هود : 117) إذا وجدت خميرة الاصلاح في الأمة، فإن الله عز وجل يمهلها حتى تكبر الخميرة أو تموت ـ لا قدرا لله ـ ولن تموت : >لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خالفهم حتى يأتي أمر الله وهم كذلك< (صحيح مسلم كتاب الإمارة رقم 3544) أوْ كما قال ، فإذن الأساس في الخلافة عن رسول الله  هو هذه النقطة، وهي قديمة. حين قال موسى لأخيه هارون : {اخلفني في قومي} بيَّن له مقتضى هذه الخلافة، وهي التتمة : {وأَصْلِحْ ولا تتبع سبيل المفسدين} (الأعراف : 142).

> والنقطة الثالثة : هي التي تأتي بعد أن تُكَوِّن المدرسةُا لصالحَ والمصلح وهي تكوين وتخريج الشاهدين على الناس، اللهم اكتبنا مع الشاهدين واجعلنا من الشاهدين،وذلك يعني إعادة زمن طارق، وزمن محمد الفاتح، وإعادة زمن الإرسال الحضاري، بدل هذا الحال القائم على الاستقبال الحضاري، الآن نحن في وضع المستهلك بجميع المعاني ـ ونستعير اللفظة من عالم الاقتصادـ ولكن الذي ينبغي أن نكون فيه هو وضع المنتج. هذا هو الوضع الطبيعي.

كيفية الانتقال من الواقع إلى الموقع

وهنا أيضا أتحدث من زوايا ثلاث :

> أولا : تجديد اختيارات التعليم وفق رؤية مستقبلية شاهدة : لنا اختيارات في غاية الأهمية كلها جيدة، مثل الاختيارات الخمسة المشهورة التي كانت في أول الاستقلال ولكنها اختيارات جزئية، وليست اختيارات كلية، ثم إنها اختيارات وَرَقية، وليست اختيارات ميدانية واقعية، وهذا الذي نحتاجه. لا نريد كلاما بل نريد عملا، الورق يمكن أن تُسَطِّرفيه ما شئت، ولكن الواقع هو الذي عليه المدار، وهو الذي عليه الحساب : {وقل اعملوا} ما قال : وقل قولوا. فالعمل هو الذي عليه المدار.

ومن الاختيارات الكبرى نذكر :

أ- الانسان أولا : ينبغي أن نؤسس التعليم على الإنسان أولا؛ إن الهدف الآن إذا حللنا وضعية التعليم  جملةـ لا نجد أنه الإنسان، بل نجد ما يحيط بالإنسان. هذا إذا قصرنا النظر على البيئة فقط، أما إذا دققنا النظر، فإننا نجد أنا مجرد أبقار في مزرعة الآخرـ للأسف الشديد ـ أبقار تُسَمَّن وتُحْلَب، ويذهب حليبها إلى  جهة أخرى؛ أي أننا نَحْطِبُ في حبل الآخرين على  أساسه نؤسِّس المؤسسات الرسمية وغير الرسمية، الخاصة والعامة، هذا الاختيار هو المهم، وحينما نقول “الانسان أولا”، نقصد بالانسان الذي تحدث عنه القرآن الكريم، ليس الطينَ فقط، وليس المادةَ فقط، ومن ثَمَّ جاز أن أقول : إن الانسان في القرآن الكريم خَلْقٌ خاص، مُكَوَّن من عنصرين : طينٍ ونفخٍ من روح الله، قال تعالى : {إني خالق بشرا من طين فإذا سويته ونفخت فيه من روحي} بعدها قال تعالى : {فقعوا له ساجدين} (ص : 71-72).

إذ لو كان طينا فقط، ما كانت له تلك الخصائص. ولذلك لا نذهب إلى التعريف القديم للإنسان الذي جاءنا من الغرب القديم : إنه “حيوان ناطق” نحن لسنا بحيوانات، فالانسان كائن متميز في الخَلْق والخُلق. وحين صُنِع انطلق أصلا من آدم النبي، من آدم الرسول، لم ينطلق من حيوان : قرد أو غير قرد، وهذه نقطة أساسية في التصور.

ب- القوة والأمانة معا في هذا الانسان هما المناط : الانسان الضعيف لن يفعل شيئا ولو كان أمينا، فيه خير لا شك في ذلك، ولكن لن يَصْلُح للشهود الحضاري، ولذلك القوة مطلوبة، وما حمل الأمانة غير الأقوياء، وما حَمَّل الله أمانةً لضعيف، وبسبب القوة في آدم عليه السلام، حُمِّل الأمانة دون بقية الكائنات، وجُعِل خليفة في الأرض، بسبب ما فيه من قوة تميزه عن باقي الكائنات الأخرى. فضروري اكتساب القوة، وضروري أن ترتبط القوة بالأمانة، لتصريف القوة وفق الأمانة، وإلا دمَّرَتْ تدميرا عظيما كما هو واقع اليوم.

ج- مفهوم العولمة هو فرض لمشروع الآخر، وإن المفاهيم الكثيرة التي تُصَدَّرُ إلى الأمة الآن، ذات صفات ثقافية أو غير ثقافية، ولكن محتواها اقتصادي بَحْثٌ، والمطلوب من هذه الأمة أَلاَّ تكون في موقع الاستقبال ـ كما قلت ـ بل في موقع الإرسال، ولذلك يجب أن تُعِدَّ نفسها، والمؤسسة التعليمية هي المؤسسة المرشحة لهذا. ولذلك ينبغي ألا يكون الحديث عن الذات الطينية، ولكن الحديث عن الذات الحضارية، عليها ينبغي أن يؤسس التعليم.

> ثانيا : تجديد التكوين في مدارس التكوين؛ إذ لا يقتدي الناس بغير القدوة، فلذلك لا بد من إعداد القدوة بهذه المعاني نفسها باختصار. فمدارس التكوين هي مدارس في موقع دقيق، لأنها هي التي ستُخَرِّج الإطار الذي سيقلده التلميذ والمتعلم الصغير، فلا بد من إعداد وتكوين هؤلاء تكوينا متينا على المعاني السابقة، ينبغي أن يرتفعوا في ذلك إلى المستوى العملي، قبل المستوى النظري، ليبلغوا أعلى الدرجات الممكنة، ويكونوا قدوة لغيرهم فعلا.

> ثالثا : توسيد الأمانات للأقوياء الأتقياء؛ إذ لو وُسِّدت الأمانات للأقوياء غير الأتقياء لأفسدوا فسادا عظيما، ولو وُسِّدت الأمانات للأتقياء غير الأقوياء لعجزوا عجزا عظيما.

وإذن، ما العمل؟ ينبغي أن تكون القاعدة الأصل هي التقوى. إذ من الأتقياء يبرز الأقوياء، فأولئك أولئك، هم الذين ينبغي أن تُوضَع في أيديهم؛ لأنهم بمثابة المداخل؛ وحراس الأمانات، كحراس الأبواب، فلا يُدخِلون إلا من استوفى الشروط، أما الذي لم يستوف الشروط من طالب أو أستاذ أو إداري، فينبغي أن يبقى خارج الباب حتى يصلُحَ حاله، أو يُوجَّه لما يُسرَ وخُلِقَ له.

خاتمة في رسالة التعليم

وفيها أقف أيضا عند ثلاث نقط :

> أولا : التعليم رسالة لا مهنة : ونعني بهذا كما قال رسول الله  : “الحج عرفة” لا يقصد  أن الحج ليس فيه إلا عرفة، أو هو عرفة فقط، ولكن هذا هو المهم. فينبغي أن نتعامل مع المؤسسة التعليمية المغربية على أن “فعل التعليم” فيها هو “رسالة” يقوم بها رسول نائب عن رسول الله ، نائب عنه، متخلق بخلقه، آخذ من فضله الكثير. ينبغي أن نتعامل مع التعليم على أنه رسالة لا مهنة، أي إنه ليس حرفة للارتزاق. بمعنى أننا حينما نوظف الناس، حين ندخلهم إلى مدارس تكوين الأطر، ينبغي أن نراعي فيهم هذا المعنى الرسالي. هل هو مؤهل لذلك أو غير مؤهل؟ هل هو من الأتقياء الأقوياء أم لا؟ فإذا لم يكن كذلك، لم يكن صالحا للتعليم، وقد يكون صالحا لغيره من المجالات الأخرى. فما خلق الله عبدا عبثا, {ربنا ما خلقت هذا باطلا سبحانك} (آل عمران : 191).

> ثانيا : التعليم إصلاح لا إفساد : لذلك فاتجاه المؤسسة التعليمية دائما ينبغي أن يكون إلى الإصلاح. والإصلاح مصطلح له مفهوم. وقد يُضَمَّنُ تضمينا غيرَ صالح، مثل ما فعل فرعون في قول الله حكاية عنه : {ما أريكم إلا ما أرى وما أهديكم إلا سبيل الرشاد} (غافر : 29) فرعون يعرف “سبيل الرشاد”!!. وهذا المصطلح أيضا يستعمله مؤمن آل فرعون : {وما أهديكم إلا سبيل الرشاد} المصطلح قد يقع فيه العبث ويغتال، تُخْرَجُ روحه التي فيه، أي مفهومه، ويُزرع ويَشْحن بمفهوم آخر، فحين يحدث تغيير في اتجاه الفساد ويسمى إصلاحا، فإن اللغة تكون قد فقدت معناها، الإصلاح له ميزان، والإفساد له ميزان، والله سبحانه وتعالى لم يجعل شيئا في ملكه دون ميزان.

> ثالثا : وآخر الكلام : أن التعليم قائد لا مقود، وشاهد لا مشهود، التعليم في الطليعة بالنسبة للأمة، في المقدمة، وليس في المؤخرة في جميع المؤسسات، وحينما أقول التعليم، فمن الحضانة إلى الدكتوراه، فالتعليم عموما مؤسسة لإحداث التحول الصالح في الأمة، بتنقية الفاسد، وتقوية الصالح وترقيته ليصير مصلحا.

هكذا إذن ينبغي أن تكون رسالته الطبيعية : “شاهد لا مشهود عليه” وهكذا ينبغي أن تكون صلته بمحيطه : “قائد لا مقود”. وهذه نقطة أيضا في غاية الأهمية.

والسلام عليكم ورحمة اللهوبركاته

(*) عرض ألقي في ندوة “التكوين المستمر، أي تكوين لأي أستاذ؟ التي نظمتها المدرسة العليا للأساتذة بفاس أيام 22- 23- 24 ذو الحجة 1418هـ الموافق 24- 25- 26 ماي 1998م.

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *