الجـدية


هذا المقال ملخص لمحاضرة الجدية من سلسلة “حتى يغيروا ما بأنفسهم” للأستاذ عمرو خالد التي ألقاها على الفضائيات يوم الخميس الموافق 27/3/2003

فى كلمة حكيمة لأحد الصالحين : أيها الناس ليكن ميدانكم الأول أنفسكم فإن أنتم انتصرتم عليها كنتم على غيرها أقدر وإن انهزمتم أمام أنفسكم كنتم أمام غيرها أعجز.نعم يجب ان نبدأ بأنفسنا حتى نواجه العالم بعد ذلك

و خلق اليوم يخص الشباب أساسا… و أرجو أن تسامحونى في بعض الكلمات التي سأضطر لاستعمالها لأن الموضوع لم يترك لي الخيار

الجدية يا شباب..، الجدية ليست مقابلا للإيجابية… مقابل الإيجابية هي السلبية، ولكن مقابل الجدية هي الميوعة – التفاهة – الهيافة – الاستهتار!!ل

هناك معلومة مهمة يجب أن نتفهمها يا أصدقاء… أن نسبة الشباب في الوطن العربي حوالي 70% من عدد السكان… أما نسبته في المجتمعات الأوروبية فهي 20-30% . هل تعلمون معنى هذه النسبة؟ معناها أن الحيوية في القرن القادم لنا… و لكن بدون جدية فإن هذه ال70% لا تساوى ال20% الجادة

لو لاحظتم معي في خططنا نحو تغيير أنفسنا نتناول مرة خلقاً ومرة علاقة إيمانية بالله فالتضرع و الثقة بالله ايمانيات و لكن الجدية و الإيجابية أخلاقيات

إن الطفولة صحة بلا عقل… و الشيخوخة حكمة بلا قوة.. فمن يملكهما معا: العقل و القوة ؟ إنه الشباب. إنه أغلى وأثمن ما تملكه أي أمة… أغلى من البترول والأراضي القابلة للزراعة والسياحة… أغلى ثروات أي أمة هو شبابها… إذا أردت أن تقيس قوة أي أمة أو ضعفها انظر إلى شبابها

إن علماء الاجتماع يحددون مدى تواجد أي أمة على ساحة العالم بمقدار قوة أو ضعف، عن طريق قياسات مدروسة للشباب.. و من هنا نسمع من هذا الكلام أحيانا: أن الفترة القادمة ننتظر ظهور البلد الفاني على الساحة كقوة اقتصادية ..وكذا وكذا.. حدث ذلك وسمعناه وسنسمعه.. وهو ليس تنجيماً بل دراسات متخصصة تعتمد اعتماداً كليا على درجة حيوية وجدية الشباب.. من هنا يستطيعون أن يقولوا: إن هذه الدولة ستنضم إلى قائمة الدول الكبرى بعد 10 سنوات مثلا.. أو يقولون لا؛ ولا بعد 100 سنة… لماذا؟ وجدوا اهتمامات شبابها رديئة

لا داعي أن نلقي التهم على بعضنا البعض تعالوا نبدأ… هيا نغير ونتغير، ظلت الأندلس مسلمة 800 سنة. ومن لحظة دخول المسلمين إليها و البرتغال يحاولون الاندساس بينهم للقضاء عليهم… فماذا كانوا يفعلون ؟ كانوا يرسلون جواسيسهم بين الشباب المسلم ليتحسسوا أحوالهم، فكلما وجدوا اهتماماتهم عالية بين التدارس والتريض والتنافس على إعلاء الهمة.. تركوهم و عادوا.. و ظلوا يحاولون و لا ييأسوا حتى جاءت المرحلة المطلوبة… بداية الانهيار الطبيعي لأي أمة.. تفاهة شبابها وترهل اهتماماتهم

دخل أحد الجواسيس إلى الأندلس فوجد شاباً يبكى بحرقة، فلما سأله عن السبب عرف أن له صاحبة قد هجرته!!فرفع تقريره إلى قادته: الآن ستهزمونهم!! وأبادوا المسلمين في شهرين وأخرجوهم تماما بعد 800 سنة

إن حالنا ينقصه الكثير و الكثير.. الجدية أصبحت صفة مفتقدة.. لقد ساهم الكبار في ضياعها

هل يعلم المدرس الذي لا يشرح في الفصل و يرى التلامذة يخرجون و يهربون من المدرسة انه يقتل الأمة.. أولياء الأمور الذين يطلبون من المراقب في الامتحان أن يكون رحيما و يترك الفرصة للأولاد أن يتعاونوا أو نقولها باسمها الحقيقي: يغشوا.. هل يتصورون ما يفعلونه بأنفسهم و أمتهم.. و أكثر من ذلك، الأب أو الأم التي تساعد ابنها على اختراع الوسيلة التي سيغش بها.. الغش ليس كلمة بسيطة و ليس مشكلة هينة… هذا التحايل على الحصول على ما نريد يصبح صفة لصيقةومن هنا انهارت أمتنا وارتفعت الأمم الغربية… إنهم لا يغشون ولا يكذبون

علاقات الأولاد و البنات.. هل هذا معقول؟؟ أليس هناك ما يستحق الاهتمام غير “حبهم” لبعض في التليفون و في النادي طول النهار

قال لي صديق: كنت أسير في الطريق فسمعت شاباً يصرخ في أبيه في التليفون غاضبا  لأن أباه أشترى لأخيه سيارة من ماركة كذا وهى باهظة الثمن جدا و لم يشتر له واحدة مثلها.. وأردف صديقي لقد بكيت و أنا أسير وحدي، بكيت على أسلوبه في الكلام مع والده، و بكيت على اهتماماته و إخوة له يذبحون و يقتلون و لا يجدون ما يأكلون

لماذا استوردنا أسوأ ما عند الغرب وتركنا أسباب نجاحاتهم؟؟ نحن نتناسى تماما فترة النهار في حياة الشباب الغربي و جديتها الشديدة في العمل، و لا نراهم إلا بعد العودة إلى البيوت و بداية انحرافاتهم واستهتارهم

من الميوعة أن نرى شاباً يرقص في فرح ويتمايل… والشباب و البنات سويا أمام أي مطرب متلاصقين يتمايلوا.. رأى سيدنا عمر بن الخطاب شاباً يسير باستهتار فاقترب منه سائلا: أمريض أنت ؟؟ فقال الشاب: لا… فعلاه سيدنا عمر بالدرة -أي ضربه بعصا كانت معه- قائلا: ما نحب و لا نرضى لأمة محمد أن تمشي هكذا

إذا أحببتم الغناء غنوا ما يُعلي همة الأمة… وكفانا ميوعة… نحن نتكلم عن خلق يرتقى بالأمة و ينقذها من استكمال طريق الانهيار… انظروا إلى ألمانيا… اليابان… كيف استطاعت هذه الدول أن تقف على أقدامها بعد حروب طاحنة أتت على بنيتها الأساسية..؟؟؟ بالجدية طبعا

وأمثلة الجدية تبدأ بما فعلته مرجريت ثاتشر، رئيسة وزراء بريطانيا أثناء حرب بلادها مع الأرجنتين حين التزمت بارتداء ألوان ملابس داكنة… هل هذا مهم لنتيجة الحرب؟؟ نعم لأنه يشعر شعبها أنها جادة في هذه المعركة ولا تهتم بما كانت تهتم به من قبل… ويرتفع معدل الجدية إلى ما قاله رسول الله صلى الله عليه وسلم لعمه أبي طالب وهو مازال في مكة ضعيفا: والله يا عم لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر أو أهلك دونه.. ويقول تعالى لسيدنا يحيى بن زكريا: {يا يحيى خذ الكتاب بقوة} (أي بجدية) {وآتيناه الحكم صبيا}.سيدنا إبراهيم حين كسر الأصنام و علق فأسه على كتف كبير لهم و حاور أهله الكفار، كم كان عمره؟ يقول عنه الله في كتابه العزيز: {سمعنا فتى يذكرهم يقال له إبراهيم}. سيدنا يحيى صبي!! سيدنا إبراهيم فتى… أي إن الأعمار تحت العشرين ..وكذلك أصحاب الكهف.. {إنهم فتية آمنوا بربهم..}ل

الجدية تحتاج أن تبدأ من الشباب المبكر، و انظروا إلى بنى إسرائيل حين لم يكن لديهم جدية : {اذهب أنت و ربك فقاتلا إنا ها هنا قاعدون}.. فبم عاقبهم الله على ذلك : {قال فإنها محرمة عليهم أربعين سنة يتيهون في الأرض}.. لماذا 40 سنة ؟؟؟ لأنها فترة كافية لتغيير الجيل التافه الذي لا يستطيع و لا يريد قتالا

يوم أحد ينادي الرسول في الصحابة: من يدفعهم عنى وله الجنة ؟؟؟ فتقدمت مجموعة من الشباب بين ال19 -20 سنة تقاتل فتقتل… و كان آخرهم يزيد بن السكن استبسل استبسالا يعجز عنه الكثيرون ظلوا يضربونهحتى هلك و سقط وجهه إلى التراب…فجاء النبي صلى الله عليه وسلم طالبا أن يرفعوا وجهه عن التراب ووضع صلى الله عليه وسلم رأس يزيد على فخذه ومسح التراب عن وجهه الطاهر وقال: اللهم إني أشهدك أنه وفى وأني راض عنه

سيدنا أنس بن النضر تخلف عن يوم بدر فقال: والله لإن أشهدنى الله معركة أخرى ليرى الله ما أصنع .. لما جاءت أحد كان الجميع يتقهقرون فى إتجاه وهو فى الاتجاه المعاكس، فاستوقفه سعد بن معاذ : إلى أين يا أنس فرد قائلا : إنه وعد الأمس، واستشهد سيدنا أنس ونزلت فيه الآية: {من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه}. وذهب سيدنا أبو أيوب الأنصاري ليفتح القسطنطينية مع المسلمين و له من العمر 80 سنة و كلما حاولوا أن يثنوه يقول: {انفروا خفاف و ثقالا}. أرأيتم الجدية

محمد الفاتح تمكن من فتح القسطنطينية و هي مدينة ظلت مستعصية على الفتح و له من العمر 23 سنة

هل لدينا مثل هذه الجدية.. جدية الرسول عليه الصلاة و السلام و الصحابة و الفاتحين و حتى المسؤولة الإنجليزية؟!ل

فلنحاول أن نتعلم الجدية مع الله حتى نغير ما بأنفسنا فيتغير الحال إلى حال أفضل

ذ. عمرو خالد

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>