بارقة:  فتن كقطع الليل المظلم


كلما نادى المنادون أصبح ولله الحمد تسارع “القوم” قائلين : فما علينا إذن إلا الإقبال على التنمية الشاملة اعتماداً على حولنا وقوتنا وعلى الاستثمارات الخارجية وعلى مشاريع السياحة والكازينوهات وما يتبع ذلك من أمور لست أذكرها، وإذا الظلام أشد سواداً وهولاً يحل محل الصباح كأن الشمس غابت نهائيا عن  آفاقنا  فنحن صم وبكم وعمي في الظلمات.

إن هذه الفتنة الجديدة ستزيد من تفرقة العالم الإسلامي وستدخله في متاهات جديدة وسراديب من النوع العجيب ليس لها مخارج ولا فجوات استراحة ولا مقاييس مسافات.

لقد أصبحنا ولا صبح، أشد ضلالاً من ذي قبل، فكل دولة تمعن في البحث عن مخرج يلائمها، فيكاد يقع الإجماع على الرضى بل الاعتزاز بالعبودية لغير الله والتبعية لغير الله والخضوع والخنوع للذل والهوان والرِّقية، وإذا ما سألت القوم عن ذلك أجابوك “للضرورة أحكام”.

لقد جرب القوم جميع السبل الضالة والمضلة إلا الصراط المستقيم فلم يهتدوا بعد لسلوكه مع أنه هو النجاة والفلاح والخير وفيه العزة والكرامة والقوة والخلاص، يقول تعالى : {وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله} {الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور والذين كفروا أولياؤهم الطاغون يخرجونهم من النور إلى الظلمات}.

والأنكى من ذلك أن من يتوسم فيهم قيادة الحق وقدوة الخير لا يزالون مصرين على الخلاف رغم ما أصابهم بسبب ذلك من الويلات والمصائب وما جرُّوه على الأمة من كوارث وزعازع، فهم كما قال بعض المربين المصلحين : “يرفعون شعار الحزب ولافتة العصبية الجاهلية مأسورين بالهوي مخْطُوبين بالشهوة وإلاّ فلماذا هذا الذل على إخوة الإسلام وهذا التنابذ والتقاطع بين إخوة الإيمان، ولماذا تبذل الجهود المتواصلة وتُصرف الأموال وتهدرالطاقات في سبيل صراعات داخل جماعات كلّها تدعي أنها تعمل بمقتضى كتاب الله وسنة رسوله .

إن ما يُصيب الأمة الإسلامية ليس بسبب قُوة الأعداء ولا جبروتهم ولكن بسبب تنازُع المسلمين وفشلِهم وذهاب ريحهم ،ولاسيما في مستويات الإمامة والقدوة المفروضة فيها أن تقُود الأمة  إلى الخلاص من هذه التمزقات الشاملة والمسيطرة، لا أن تكون هي الآمرة بالفتنة والمتزعمة للخلافِ. إن الفتنة الجديدة هي حلقَةٌ في سلسلة الحلقات الماضية والآتية : {ولا يزَالُون يقاتلونكم حتى يردُّوكم عن دينكم إن استَطاعوا} حتى إذا استنفذت مقاصدها تصبح الأخرى، ناضجة وجاهزة لتلحق أختها وهكذا دواليْك.

إن ضياع الأندلس لم يكن بسبب قوة النصارى ولا بسبب فَساد الحكام وحدهم، ولكن بسبب ضعف العلماء وتنافسهم على الدّنيا وانشغالهم عن قيادة الأمة وتوحيدها، يقول أبو حيان الغرناطي المتوفى سنة 745 في تفسيره البحر : “وأما زماننا هذا وعُبّادنا وعلماؤنا فحالهم معروف فيهم ولم نر في أعصارِنا من يُقَارب السلف في ذلك غير رجلٍ واحِدٍ وهو أستاذنا أبو جعفر بن الزبير فإن له مقاماتٍ في ذلك مع ملوك بلاده ورؤسائهم حمدت فيها آثاره، ففي بعضها ضُرِبَ وذهبت أمواله وخرّبت دياره وفي بعضها أنجاه من الموت فِرارُه وفي بعضها جعلَ السجن قرارُه” (البحر 412/4).

ويقول ابن حيان القرطبي المؤرخ بعدما وصف اعوجاج الأمراء : “والفقهاء أئمتُهم صموتُ عن (الأمراء) صُدُوف عمّا أكد الله عليهم في التبيين لهم، قد أصبحوا بين آكل من حلْوائهم خائض في أهوائهم وبين مستشعر مخافتهم.. فما القول في أرضٍ فسَدَ ملحُها الذي هُو المصلح لجميع أغذيتها”.

ونسأل الله أن يُصلح بالنا ويؤلف بين قلوبنا ويجعلنا كما وصف المؤمنين : {أذلة على المومنين أعزة على الكافرين} حتى تتحقق الأخوة في الله في الأعماق بعد أن شاعت على الأشداق {ويومئذ يفرح المومنون بنصر الله} ولا عبرة بقوة أعداء الله مهما بلغت ولا مفر من خيل الله إذا أغارتْ وطلبت.

د. عبد السلام الهراس

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>