واقع الدراسات الإسلامية بالتعليم العالي في الإصلاحات الجارية


جديد الإصلاح الجديد

للتعليم العالي

هناك نظام جديد كلياً سيدخل تغييرات جوهرية على التعليم العالي بصفة عامة، ويتجلى هذا في :

< اعتماد نظام المسالك  والوحدات على غرار ما سيأتي في التعليم الثانوي ونظام المسالك والوحدات التي تصاغ الآن في إطار البرامج والمناهج في التعليم الثانوي هو نفسه الذي سيعتمد في التعليم العالي؛ وبالتالي سوف تختفي خلال السنوات القادمة مجموعة من المصطلحات التي كانت متداولة في النظام الحالي مثل : الشعب والمواد التي ستختفي وتظهر محلها جملة من المصطلحات الجديدة. الشعب كشعب ستبقى موجودة علي شكل لافتة لكن المحتوى لا تتحكم فيه هذه الشعب، فشعبة الدراسات الإسلامية يمكن أن تنتج أو أن تقترح مسالك في التكوين تشكل بدورها من وحدات والتي لا تدرس بالضرورة في شعبة الدراسات الإسلامية. في الإصلاح القادم كل مسلك يتكون من 8 إلى 15 وحدة، قد يدرس منها داخل الدراسات الإسلامية وحدة أو وحدتان وباقي الوحدات المفروض أن تدرس في الجامعة بحيث يمكن -في إطار الدراسات الإسلامية- أن تقترح مسلكاً وحدتان منه في الدراسات الإسلامية ووحدة في كلية الحقوق، وأخرى في العلوم وهكذا.. أي يصبح ا لمسلك ينتمي إلى الجامعة لا إلى الشعبة.

من جهة أخرى يمكن اقتراح مسالك في الدراسات الإسلامية من خارجها أي يمكن اقتراح مسلك/تخصص دراسات إسلامية لكن في شعبة اللغة العربية أو الحقوق.. وبالتالي لن تصبح شعبة الدراسات الإسلامية تتحكم في منتوجها وعليه فهي لن تسلم الشهادة تحت عنوان : إجازة في الدراسات الإسلامية، ولكن إجازة في مسلك كذا من جامعة كذا، ويدرس الطالب وحداته في المؤسسات التابعة للجامعة.

< اعتماد نظام الفصل بدل السنوات الدراسية :

كان الطالب على رأس أربع سنوات يحصل على الإجازة، لكن في الإصلاح الجاري لم يعد معمولاً به، هناك نظام خمسة فصول كل سنتين، علماً بأن الفصل هو نصف سنة دراسية، وهذا إشكال كبير، معنى ذلك إمكانية تنظيم فصل خامس في الصيف! ومعنى ذلك أيضاً أن الطالب سيحصل على الإجازة خلال خمس سنوات بدل أربع وهذا هو الجديد في النظام الحالي. وهذا الأمر سيبدأ مع الطلبة خلال الموسم المقبل، علماً أنه قبل الثمانينات كانت الإجازة تستغرق 3 سنوات فقط، والقصد من هذا هو ربح سنة على الأقل في استيعاب البطالة والتخفيف من حدة الخريجين دون اعتبارات تربوية أساسية.

نظام الشهادات

المعمول به حالياً هو الشهادة الجامعية الوطنية، لكن الآتي يختلف عن هذا بشكل كبير جداً.

أ- شهادة مغادرة المسلك : إذا لم يستطع الطالب إنهاء المسلك بمختلف وحداته وأراد أن ينسحب فإن المسؤول عن المسلك يسلم له شهادة تثبت أن هذا الطالب قد نجح في وحدات معينة فقط على أساس أن هذه الشهادة تخول له إمكانية الالتحاق مجدداً بالجامعة لاستكمال الوحدات التي لم ينجزها.

ب- الدبلوم الجامعي المتخصص والمهني : وهو الذي ينتهي به السلك الأول الجامعي.

المتخصص : يتيح لصاحبه إمكانية متابعة الدراسة في السلك الثاني الجامعي.

المهني : يخرج به صاحبه إلى سوق العمل!!

وأؤكد هنا أن أغلب أبناء المغاربة ستكون نهاية المطاف بالنسبة لهم الدبلوم المهني أو الجامعي، وفي ذلك خطورة بالنسبة للدراسات الإسلامية واللغة العربية. تصوروا أن الطالب سيقال له بعد الباكلوريا : ستدرس سنتين وبعد ذلك ستحصل على شهادة تخول لك إما الالتحاق بعالم الشغل أو متابعة الدراسة. والطبيعي أن الطالب سيختار المجال الأول وبالتالي سوف لن يختار مسالك الدراسات الإسلامية والتاريخ والجغرافية واللغة العربية… مما سيؤدي إلي تقلص كبير جداً في عدد الطلبة الملحقين بالسلك الثاني الجامعي، ومنه إلى الدكتوراه سيكونالعدد أقل بكثير وربما سيقع للدراسات الإسلامية ما وقع للتعليم الأصيل الآن، بحيث تجد في البكالوريا قسم من 3 تلاميذ وبالتالي سيكون المبرر الطبيعي والعادي لإلغاء هذه الشعب وهذ ه المسالك لأنه لم يلتحق بها أحد.

ولذلك إن الخطورة الأساسية في النظام الإصلاحي التربوي الحالي هو ربط الجامعة بسوق الشغل، محاولة تحويل الجامعة إلى ورش كبير للتكوين المهني في غياب الرسالة الأساسية للجامعة.

ج- الشهادة الجامعية  Maitrise كما هو الحال في فرنسا وهي الإجازة الحالية التي تخول لصاحبها إما الالتحاق بسوق الشغل أو متابعة الدراسة في السلك الجامعي.

د- الدكتوراه الوطنية المعمول بها في النظام الحالي : ولكن الذي أستغرب له هو التمييز بين الدكتوراه الوطنية التي تسلمها الجامعات وشهادة ينص عليها الميثاق وهي شهادة الدراسات الإسلامية العليا الخاصة بجامعة القرويين أو حتى في الدراسات الإسلامية لأنالميثاق غير واضح في هذه النقطة. وهنا سؤال : هل شهادة الدراسات الإسلامية العليا سيكون صاحبها مضطراً لأن يخوض معارك وإضراباً عن الطعام من أجل تحقيق معادلتها للدكتوراه؟!

إذن فالشيء الأكيد هو أن الطالب سيحاول الحصول على الطرف الواضح : الدكتوراه الوطنية ولن يختار الطريق الشائك يحصل فيه على شهادة لا يدري هل تعادل الدكتوراه أم لا، إنه إشكال خطير وخطير جداً ينبغي التنبيه إليه.

من محاذير المشروع

< طغيان هاجس الشغل : الجامعة ليس من مهامها  سوق الشغل، وإنما هي قاطرة للتنمية كما جاء في الميثاق وقانون الإطار 01/00 : تعميق المعرفة، الإشعاع الحضاري.. هذه هي المهام الأساسية للجامعة، أما سوق الشغل فتوجد له مدارس ومعاهد خاصة بذلك. ثم أي شغل هذا؟ المحيط لا يستوعب الجامعة، إنه متخلف عن الجامعة. خريجو الجامعات المغربية الآن تستوعبهم الأسواق الكندية والألمانية والفرنسية والإنجليزية.. الإشكال في المحيط وليس في الجامعة. ولكن يبدو أن أصحاب الإصلاحات الجارية سواء في التعليم الثانوي أم الجامعي بصدد إعداد دفتر تحملات من أجل وضعه بين يدي المؤسسات الممولة حتى تقتنع بالمحتوى فتمول، لأن المنظمات الممولة إذا وجدت في هذه المشاريع ما ينص على القيم والخصوصيات الحضارية.. سوف لن تمولها، لأن إصلاح التعليم بهذا المنظار الشمولي الدولة عاجزة عن تمويله، إن قرار الإصلاح سياسي بالدرجة الأولى وليس تربوياً أو تعليمياً.

< عدم تنصيص الميثاق نفسه والقانون الإطار 01/00 الذي يصلح الجامعة على معايير قبول المسالك أو رفضها، إذا رجعتم إلى الميثاق نفسه أو القانون الإطار فسوف لن تجدوا المعايير التي سيقبل على أساسها مسلك أو سيرفض، وتُرِك هذا إما للجامعة أو للجنة وطنية. وهنا أنبه على أمر جد خطير وهو : موارد الجامعة ينص عليها الميثاق والقانون الإطار يقول : الإعانات التيتسلمها الدولة على أساس أن الجامعة تبحث عن موارد أخرى عن طريق اتفاقيات الشراكة والتعاون مع المحيط.. وعليه، فإن الجامعة ستقبل المسالك التي لها مردودية مادية والتي يمكن أن تكون فيها اتفاقية شراكة مع مؤسسات في المحيط ولها مردودية على صندوق الجامعة، لكن المسالك التي ليست لها مردودية مادية قطعاً فإنها سوف لن تقبل ومنها الدراسات الإسلامية واللغة العربية..

ولذلك ينبغي أن نشير إلى التخوف الكبير من اعتماد المردودية المادية في قبول المسالك لأن هذا سيرهن مستقبل الجامعة ويقضي على باقي التخصصات الأخرى.

< الشهادات الحالية التي ستقدم في إطار الإصلاح الحالي هي إما شهادات جامعية أو شهادات وطنية معنى هذا أن هناك مسالك سيحسم فيها على المستوى الوطني، وبالتالي الشهادات التي ستسلمها ستكون لها صيغة وطنية، وهناك شهادات سوف لن تقبل على الصعيد الوطني أي لن تقبلها اللجنة الوطنية، لكن يمكن أن تقبل على صعيد الجامعة ستسلم فيها شهادة الجامعة، لكن قد لا تكون لها معادلة مع باقي الشهادات الأخرى. إذن نحن أمام مستويات من الشهادات، وربما الهاجس الأساسي هو كون كل حامل للإجازة أو الدكتوراه يحتج أنه يملك شهادة الدولة، أو شهادة إجازة مثلا، لهما اعتبار وطني لكن شهادات الإجازة المقبلة ستكون جهوية غير وطنية، وبالتالي سوف لن تكون لها قيمة كبيرة في سوق الشغل أو من أجل الضغط للحصول على العمل ولذلك كانت الشهادات المختلفة السابقة الذكر.

إن الميثاق – من جهة أخرى- يتحدث عن استقلالية الجامعة، وأي ضرب لاستقلالية الجامعة أكثر من كون أستاذ في شعبة من الشعب يقترح مسلكاً ويستغرق في إنجازه حوالي 4 أشهر ثم يهيئه ويضعه بين يدي رئيس الشعبة الذي يدافع عنه في مجلس الكلية ثم يدافع عنه مجلس الكلية في مجلس الجامعة، ثم لابد من أجل اعتماده على الصعيد الوطني أن تبث فيه اللجنة الوطنية، أليس هذا ضرباً سافراً لمصداقية المؤسسات الممثلة للأساتذة، على أي مقياس تقبل المسالك أو ترفض؟

من إيجابيات المشروع

ولكن مع ذلك أقول : إن لهذا المشروع بعض الإيجابيات منها :

< انفتاح الدراسات الإسلامية على باقي الشعب في مختلف المؤسسات الجامعية. أستاذ الدراسات الإسلامية أصبح من الممكن له أن يدرس بعض المواد في كلية العلوم مثل الاعجاز العلمي في القرآن الكريم.. وفي الحقوق مثل نظرية تنظيم المجتمع في القرآن.. مما يمكن المشتغلين في مجال الدراسات الإسلامية أن يعيدوا العزة إلى المواد الإسلامية، التي لم تكن يوماً نظرية فقط وإنما تطبيق كذلك. ولم يكن في نظامنا التعليمي الإسلامي فصل بين العلوم الشرعية وعلوم الكون، فآن الأوان أن تعود المياه إلى مجراها الطبيعي. ثم العكس : الشعب الأخرى يمكنها أن تقترح وحدات تدرس في شعب الدراسات الإسلامية، ولكن هذا يقتضي منا أن نطور البرامج والمناهج في شعب الدراسات الإسلامية.

< الانفتاح على المحيط الاجتماعي والاقتصادي وأعتقد أن الدراسات الإسلامية كشعبة في كلية الآداب هي الأوفر حظاً للارتباط بالمؤسسات الاجتماعية والاقتصادية.

المطلوب في الأخير

- التفكير بأسلوب جديد في مستقبل الدراسات الإسلامية.

- التفكير في صياغة مسالك لها امتداد على صعيد الجامعة.

- التفكير في الاندماج داخل المسالك التي تقترحها الشعب والكليات الأخرى.

- رسم سياسة جديدة للبحث العلمي في الدراسات الإسلامية.

- التكوين البيداغوجي للمدرسين وهو مطلب في الميثاق.

- التفكير في خلق شبكة للتنسيق بين المسالك في الدراسات الإسلامية.

- البحث عن فرص للتعاون والشراكة مع مؤسسات من داخل المغرب وخارجه.

- جامعة القرويين لم تتوصل لحد الساعة بمشاريع الإصلاح التي تهمها. ما يناقش الآن في الجامعات لا يتطرق فيه بتاتاً إلى وضعية جامعة القرويين، وأقترح استثناء هذه االجامعة من هذه الإصلاحات ولنا مقياس هو استثناء جامعة الأخوين من الميثاق والقانون الإطار 01/00.

د. خالد الصمدي

 

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>