عولمة الإسلام(1)


لما قدر الحق سبحانه وقضى في أزله بأن يخلق المخلوقات البشرية إلى جانب ما قدر وقضى من خلقه المخلوقات السماوية والأرضية الأخرى، قدر وقضى وحكم كذلك أن يجعل ويهيء للبشرية دين الإسلام لتستظل تحت مظلته، وأراد سبحانه أن يكون هذا الدين معولما عالميا يُغَطِّي البشرية كلّها، وأمر عباده كلهم أن يسيروا على نهجه في الاستسلام إليه تعالى لأنه الرب المتصرف في الأكوان كلها خلقا وتدبيرا، ولأنه الإله المعبود بحق الذي لا يشاركه غيره في ربوبيته وألوهيته {ألا له الخَلْق والأمر تَبَارك الله ربّ العالمين}(الأعراف : 53)، {وما خلقْت الجن والإنس إلا ليعبدون}(الذاريات : 56).

 

لقد اقتضت إرادة مولانا جل جلاله، وتقدست حِكَمُه وأفعاله وصفاته، أن يخلق الإنسان من الأرض ويستعمره فيها لينظر كيف يعمل؟ وهو سبحانه العليمُ بكل شيء لا تخفى عليه خافية في الأرض ولا في السماء، ثم اقتضت حكمتُه تعالى ورحمتُه بخلقه أن يُرسل للبشرية رُسلاً من أنفسهم يرشدونهم إلى الخير والرشاد ليلا يكون على الله حجة يوم العرض والحساب فيقولوا {ما جاءنا من بشير ولا نذير}(المائدة : 19).

وأرسل الحق جل جلاله الأنبياء والرسل لتسير البشريةُ في عقيدتها وفي سُبُل حياتها على نهج واحد : هو عبادةُ الله وحده من غير أن يُشْرَك معه في ألوهيته وربوبيته، لا شمسٌ ولا قمرٌ ولا ملَكٌ ولا نبِّيٌ ولا صنمٌ ولا وثن ولا عالِمٌ ولا راهب ولا غير ذلك من سائر مخلوقاته {ومن آياته الليل والنهار والشّمس والقمر لا تسجدوا للشّمْس ولا للقَمَر واسْجُدُوا لله الذي خلقَهُن}(فصلت : 37).

وهكذا  كانت البشرية كلها في أول نشأتها وعلى مَسيرَة زمنية تمتد عشرة قرون كلُّهم على الحق لا يؤلِهُون غير الحق سبحانه قال تعالى : {كان الناس أمّة واحدة فبعث الله النبيين مُبَشِّرين ومُنذرين وأنزل معهم الكتاب بالحقليحكُم بين الناس فيما اختلفوا فيه، وما اختلف فيه إلا الذين أُوتوه من بعد ما جاءتهم البيّنات بغْياً بينهم}(البقرة : 231).

قال القرطبي في تفسيره : قال ابن عباس وقتادة : المراد بالناس القرون التي كانت بين آدم ونوح، وهي عشرة، كانوا على الحق حتى اختلفوا فبعث الله نوحا فمنْ بعْده(1). وفي صحيح البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : كان بين آدم ونوح عشرة قرون كلهم على الإسلام.

قال ابن كثير في كتابه “البداية والنهاية”(2) فإن كان المراد بالقرن مائة سنة كما هو المتبادر عند كثير من الناس كان بينهما ألف سنة لا محالة، وإن كان المراد بالقرن الجيل من الناس كما في قوله تعالى: {وكمْ أهْلَكْنَا من القرون من بعد نوح}(الإسراء : 17) وقوله : {ثمّ أنشأنا مِن بعدهم قرُونا آخرين}(المومنون : 42) وقوله  : >خير القرون قرني< فمعنى هذا يكون بين آدم ونوح ألوف(3) السنين والله أعلم.

وكانت بعثة الرسل تترى وتترادف كلما هوت البشرية في مهاوي الكفر والعناد عقيدة، وانزلقت في مزالق الرذيلة أخلاقا وسلوكاً.

منهاج الرسالات واحد

وكان للرسالات منهاج في العقيدة واحد لا يختلف بين رسالة ورسالة كما ذكرتُ : توحيد الخالق سبحانه وتنزيهه عما لا يليق بربوبيته وألوهيته باعتقاد أنه الواحد المنفرد بالخلق والتدبير الذي لم يلد ولم يولد، وبالتالي فما هو بوالد ولا مولود كالبشر،  وعدم إشراك أي مخلوق معه في ربوبيته وألوهيته {ألا له الخَلْقُ والأمر تبارك الله ربّ العالمين}(الأعراف : 53).

قال العلامة القرطبي : “ولا خلاف أن الله لم يغاير بين الشرائع في التوحيد والمكارم، وإنما خالف بينها في الفروع حسبما علمه”.

الإسلام دين الرسل كلهم

أولهم وآخرهم

فكلهم بُعثوا إلى أممهم بالإسلام، قال تعالى : {شرعَ لكم من الدِّين ما وصَّى به نوحا والذي أوحيْنا إليك وما وصّينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الذين ولا تتفرقوا فيه، كبر على المُشركين ما تدعوهم إليه}(الشورى : 113).

وقد ثبت في الصحيحين أن النبي  قال :>إنا معاشر الأنبياء ديننا واحد<. وقال تعالى حكاية عن نُصوص نوح عليه السلام : {يا قوم إن كان كبر عليكم مقامي وتذكيري بآيات الله فعلى الله توكّلت فأجمعوا أمركم وشركاءكم ثم لا يكُن أمْركم عليكم غمَّة، ثم اقْضُوا إليَّ ولا تُنْظِرون فإن توليْتُم فما سألْتُكم من أجر إن أجري إلا على الله وأُمرت أن أكون من المُسلمين}(يونس : 71، 72).

وقال تعالى في حق الحواريين أتباع المسيح : {وإذ أوْحيت إلى الحواريين أن آمنوا بي وبرسولي قالوا آمنا واشْهد بأنّنا مسلمون}(المائدة : 111). وقال تعالى في وجوب اتباع ملة إبراهيم التي هي الإسلام من لدن جميع الأمم : {ومن يرغبُ عن ملّة ابراهِيم إلا من سَفِه نفسه، ولقد اصطفيْناهُ في الدّنيا وإنّهُ في الآخرةِ لمِنَ الصّالحِين، إذْ قال له ربُّه أسْلِم قال أسلمت لربّ العالمين ووصى بها إبراهيم بَنِيه ويَعْقوب يَابَنِيّ، إنّ الله اصْطَفى لكم الدين فلا تمُوتُنّ إلاّ وأنتم مسلمون}، وقال تعالى {ملّة أبيكُم إبراهِيم هو سمّاكُم المُسْلمين من قبلُ}(البقرة : 132) فدين جميع الرسل واحد وهو الإسلام، فهو دين معَوْلمٌ عوْلَمهَ الحق سبحانه، وإنما يتنوع في هذا الدين الشريعة والمنهاج على حسب الظروف والملابسات قال تعالى : {لكُلِّ جَعلنا منْكُم شِرْعَةً ومنهَاجاً ولوْ شاء الله لجَعَلَكُم أمَّة واحِدة}(الحج : 78).

فتنة المسيحيين بعيسى

ومن هؤلاء ملة لم تكفر بعيسى ولم تومن به إيمانا صحيحا، بل افتتنت به افتتانا لكونه ولد من غير أب، فزعموا أن معنى كونه وُلِدَ بكلمة من الله وكونه روحا منه أن الله حل في أمه مريم، وأن كلمة الله تجسدت فيه فصار إلاها وإنسانا، فضرب الله للمفتونين مثلا بخلق آدم من تراب ليردهمعن فتنتهم، فكما خلق الله آدم بكلمة “كن فيكون” خلق عيسى بهذه الكلمة “كن فيكون”، وآدم خُلق من التراب وعيسى خلق من غير أب، فعيسى خلق بروح الملك في درعها أي نفخه فيه حتى وصل النفخ لمحل الحمل فحملت بدون زوج  -فالروح والريح من قبيل المشترك المعنوي معناهما واحد ولفظهما مختلف-

وقد جاء  في كلام العرب ما يشهد لكون الروح بمعنى النفخ ففي تاج العروس : والروح : النفخ وسمي روحا لأنه ريح يخرج من الروح قال ذو الرمة :

فقُلْتُ لهُ ارْفَعْها إليْك وأحْيِهَا

برُوحِكَ واجْعَلْهُ لَهَا قِيتَةً قَدْراً(4).

والله تعالى يقول في كتابه الكريم إبطالا لافتتان هذه الملة من النصارى بعيسى ولاعتقادهم فيه أنه إلاه وإنسان : {إنّ مثَل عِيسى عِنْد الله كَمَثَلِ آدَم خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثُمَّ قال له : كُنْ فيكُون الحقّ من ربّك فلا تكنْ من الممْتَرِين}(آل عمران : 59، 60).

ولما فسرت هذه الملة من النصارى الكلمة والنفخ تفسيرا خاطئا وقعت في الحلول والاتحاد فقالت : إن الله حل في مريم فاتحد الناسوت باللاهوت وتولد عيسى ولذلك قالوا إنه ابن وإله.

أمر الله لنبيه بمباهلة المسيحيين

ولما لم يؤمنوا بتفسير النبي عليه السلام لكلمة الروح واستمروا في عنادهم ومجادلتهم له  أمره الحق سبحانه بأن يباهلهم بقوله تعالى : {فمنْ حاجّك فيه من بعدِ ما جاءكَ من العِلم فقُل تعالَوا نَدْعُ أبنآءَنا وأبْنَاءَكُم ونِسَاءَنا ونِسَاءكُم وأنْفُسَنا وأنْفُسَكُم ثم نبْتَهِل فنَجْعَل لعْنة الله على الكاذبين}(آل عمران : 61) والابتهال : التضرع والاجتهاد في الدعاء والإخلاص فيه، وبهل وابتهل من فصيلة واحدة واللعنة مأخوذة من لعن بوزن منع. طرده وأبعده من الخير، واللعين من يلعنه كل أحد، ويفهم من الآية أن الله أمر نبيه  أن يدعو المحاجّين والمجادلين في عيسى من أهل الكتاب إلى اجتماع رجالا  ونساء وأطفالا ويجمع النبي  المومنين رجالا ونساء وأطفالا فيبتهل الكل إلى الله تعالى بأن يلعن الكاذب فيما يقول عن عيسى، وطلب المباهلة يدل على قوة يقين صاحبها وثقته فيما يقول.

مباهلة الرسول لأصحاب ملة الحلول والاتحاد من النصارى

وقد نفذ عليه السلام ما أمره به ربه تعالى : جاء في صحيح البخاري ومسلم أن العاقب والسيد هما من سادة نصارى نجران لما أراد النبي  أن يلاعنهما قال أحدهما لصاحبه : لا تلاعنه، فوالله إن كان نبيا فلاعننا لا نفلح أبدا ولا عقبنا من بعدنا. فصالحا النبي  على الجزية، واختار النبي عليه السلام للمبالهة امتثالا لأمر الله عليا وفاطمة وابنيهما الحسن والحسين فخرج عليه السلام بهم وقال : إن أنا دعوت فأمّنوا، وفي رواية فجاء بأبي بكر وولده، وبعمر وولده وبعثمان وولده وبعلي وولديه.                                           يتبع

———-

(1) ج3 ص 30.

(2) ج 1 ص 94.

(3) بل ربما ملايين السنين.

(4) يقال نفخ في النار نَفْخاً قوتا، واقتات لها كلاهما رفق بها، واقتت لنارك قيتة أي اطعمها، ثم ذكر صاحب التاج البيت، وإذا نفخ نافخ في النار قيل له : انفخ نفخا قوتا، واقتت لها نفخك قيتة، يأمره بالرفق والنفخ القليل، وفي أسماء الله المقيت، هو الحفيظ، وقيل المقتدر وقيل هو الذي يعطي أقوات الخلائق، وهو من أقاته يقيته إذ أعطاه قوته، وأقاته إذا حفظه وفي التنزيل {وكان الله على كل شيء مُقيتا} (النساء : 84) انظر لسان العرب في مادة قوت.

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>